تخطي إلى المحتوى الرئيسي

خزانة الأدب وغاية الأرب — صفحة 151

مساهمون:

ص١٥١
ومع هذا ، يبقى صفيّ الدين الحلّيّ أوّل من نهض بفنّ البديعيّات ، وحمل لواءه وحاز به قصب السّبق ، وتبقى قصيدته هي البديعية الأولى التي أطلقت عقال عشرات الشعراء فيما بعد لكي ينظموا في هذا الفنّ الجديد . وبعد هذا كلّه ، أصبح يسيرا تقدير الزمن الذي نشأت فيه البديعية الأولى من خلال حياة ناظمها الأوّل ، إذ كانت ولادته سنة 677 ه . ، ووفاته سنة 750 ه . ويشير علي أبو زيد إلى ذلك بقوله : « وبما أنّه أشار إلى أنه نظم بديعيته بعد خوضه بحار العلم والمعرفة ، وقراءة الجمّ الغفير من الكتب ، وبما أنّ نظم البديعية يحتاج إلى مهارة في نظم الشعر وخبرة فائقة به ، وذلك كلّه لا يتأتّى للمرء إلّا على مرور الأيام ، والحياة الطويلة ، فإنني أقدّر أن تكون أوّل بديعية ظهرت في النصف الأوّل للقرن الثامن الهجري ، وفي عقده الخامس » « 1 » . وبظهور بديعية الحلّيّ ، انطلق ركب البديعيات يمخر عباب التراث الأدبيّ في العالم العربي ، ويسجّل على صفحاته معالمه وآثاره التي استمرّت إلى عهد قريب ( مطلع القرن العشرين ) على امتداد نحو سبعة قرون من عمر هذا التراث ، وفي مختلف أصقاع الدولة العربية الإسلامية ، حتى أضحى بين أيدينا ما يربو على مائة بديعية ، كلها تمدح الرسول ( صلى اللّه عليه وسلم ) ، وتنظم في ثناياها فنون البديع ، توارث فنّها الشعراء جيلا بعد جيل ، فرغب فيها شعراء النصارى ، ونظموا بديعيات في مدح السيد المسيح ، عليه الصلاة والسلام ، على غرار بديعيات المسلمين ، كما انتقلت إلى لغات العالم الإسلاميّ ، فنظم شعراء الأتراك بديعيات باللغة التركية ، ونظم شعراء فارس أخرى باللغة الفارسيّة ، ونظم أهل السند والهند بديعيات باللغة الأورديّة « 2 » . ولكن يبقى هناك سؤال يتبادر إلى الذهن ، وهو : ما الهدف الأوّل من البديعيات ، وكيف تطوّر ليصبح فنّا قائما بذاته ؟ ! من خلال الاطلاع على بدايات هذا الفنّ ، يتبيّن لنا أن الهدف الرئيس من نشوء هذا الفنّ هو المدح ، بل هو مديح رسول اللّه محمّد ( صلى اللّه عليه وسلم ) . ويؤكد هذا ما جاء في مقدّمة شرح البديعية الأولى لصاحبها صفيّ الدين الحليّ إذ
هامش
( 1 ) البديعيات في الأدب العربي ص 70 . ( 2 ) انظر البلاغة العربية في ثوبها الجديد ( البديع ) ص 22 ؛ ومعجم المصطلحات البلاغية وتطورها ص 224 .