قوله : « ومن كلّ هذا نستطيع أن نحكم بأسبقية الحلّيّ على ابن جابر في نظم البديعية ، ولكن لا نستطيع أن نقول أنه أوّل من ابتكر فنّ البديعيات . . . ذلك لأننا نعلم أنّ شاعرا اسمه الشيخ علي بن عثمان . . . الإربلي الصوفيّ قد نظم قصيدة لاميّة ضمّنها جملة من أنواع البديع ، نوعا في كل بيت . . . » « 1 » ، فهو يعترف للإربليّ بوضع حجر الأساس في ابتكار هذا الفنّ ، إلّا أنه يضع الحلّيّ في مكان الريادة والتشييد والبناء لصرح هذا الفنّ في أوّل قصيدة يطلق عليها اسم « بديعيّة » . ثمّ إن كلام ابن معصوم الذي أشار إليه أحمد إبراهيم موسى يوحي بأنّ الإربليّ هو أوّل من نظم قصيدة وأدخل فيها أنواع البديع ، ولم يكن أوّل بديعيّ ، ثمّ ناقش موقف الصفيّ مع ابن جابر كأول من نظم تلك القصائد على هذا النظام المتّبع في « البديعيات » ، إذ يقول : « وأما نظم أنواع البديع على هذا الوزن والرويّ الذي نظم عليه الشيخ صفيّ الدين الحلّيّ فلا أتحقق أيضا أنّ الشيخ صفي الدين هو أوّل من نظم إليه ، فإنه كان معاصرا للشيخ . . . ابن جابر الأندلسيّ الأعمى . . . ولا أعلم من السابق منهما إلى نظم بديعيته على هذا الأسلوب . . . » « 2 » .
وقد استدل علي أبو زيد على زيادة الحلّيّ على الإربليّ بأنّ الإربليّ لم يكن أوّل من نظم أنواع البديع ، بل سبقه إلى ذلك يحيى بن عبد المعطي الزواويّ المتوفّى سنة 628 ه . ، إلّا أنّ تلك المحاولات لم تجد نفعا ، ولم تصبح البديعيّة معها خلقا سويّا إلّا على يد صفيّ الدين الحلّيّ « 3 » .
وريادة صفيّ الدين أو أسبقيته على ابن جابر لا تعني بالضرورة أن يكون ابن جابر قد اطلع على بديعية الحليّ وجاراها ، بل ربما كان كلّ منهما قد نظم بديعيته دون أن يطلع على صنيع الآخر ، وذلك يعود لتشابه بعض الدوافع والعوامل والظروف المهيّئة لظهور مثل هذا الفنّ ، وما يؤكد ذلك أنّ حسين بن سليمان الحلبي الطائي مثلا المتوفّى سنة 770 ه . ، نظم قصيدة في سبعمائة بيت ضمّت أنواع البديع ، سمّاها « زهر الربيع في علم البديع » « 4 » ، دون أن يذكر أحد شيئا من أسبقيّته على ابن جابر .
هامش
( 1 ) « ابن حجة الحموي شاعرا وناقدا » ص 190 .
( 2 ) أنوار الربيع في أنواع البديع لابن معصوم 1 / 31 - 32 .
( 3 ) البديعيات في الأدب العربي ص 68 .
( 4 ) كشف الظنون 2 / 960 .