628 ه . ؛ وعلي بن عثمان أمين الدين الإربليّ المتوفّى سنة 670 ه . ؛ وصفيّ الدين الحليّ المتوفّى سنة 750 ه . ؛ ومحمد بن أحمد بن جابر الأندلسيّ المتوفّى سنة 779 ه . ، ولكلّ من هؤلاء الدارسين حججه وبراهينه على رأيه ، لذا كان لا بدّ من الفصل بين هؤلاء الأربعة ، وإعطاء واحد منهم فقط حقّ الأوّلية والريادة ، وتحديد مواقع الآخرين منه .
فزكيّ مبارك يعزو بكثير من الجزم نشوء أوّل بديعيّة إلى الشاعر محمّد بن جابر الأندلسيّ ، إذ يرى أن « البديعيات » ما هي إلّا أثر من آثار « بردة » البوصيري ، تمثّلت في بدء الأمر عند ابن جابر الأندلسيّ الذي أحبّ البردة وشغف بها ، وقد شغل نفسه بمعارضتها « ولكن أيّ معارضة ؟ ! لقد ابتكر فنّا جديدا هو « البديعيات » ، وذلك أن تكون القصيدة في مدح الرسول ، ولكن كلّ بيت من أبياتها يشير إلى فنّ من فنون البديع » « 1 » ، ومطلع هذه البديعية ( من البسيط ) :
بطيبة انزل ويمّم سيّد الأمم * وانشر له المدح وانثر أطيب الكلم « 2 »
وقد رأى معاصرو ابن جابر قيمة هذا الفنّ الجديد ، فتقدّم صديقه أبو جعفر الرّعينيّ الإلبيري بشرح بديعيته ، واعترف له بالسبق إذ قال في مقدمة هذا الشرح « 3 » :
« نادرة في فنّها ، فريدة في حسنها ، تجني ثمر البلاغة من غصنها ، وتنهل سواكب الإجادة من مزنها ، لم ينسج على منوالها ، ولا سمحت قريحة بمثالها » « 4 » .
ولعلّ هذه المقدّمة هي التي أوهمت بعض الدارسين أن يجزم بأوليّة ابن جابر الأندلسيّ الأعمى ، والذي تعرف بديعيّته ب « بديعيّة العميان » ، رغم أنّ العلماء المعاصرين لابن جابر ، والذين كانوا أصدقاءه ، لم يذكروا له هذه الأولّية ، وعلى رأسهم صلاح الدين الصفديّ ، المتوفّى بعد صفيّ الدين الحلّيّ بأربع عشرة سنة ، وكان أستاذا لابن جابر ، وصديقا له وراويا لأخباره وأشعاره ، ومع ذلك لم يذكر شيئا عن بديعيّة ابن جابر ، ولعلّ هذا نظمها بعد وفاة صديقه الصفديّ ، وهذا يعني أنّه
هامش
( 1 ) المدائح النبوية في الأدب العربي ص 169 .
( 2 ) الحلة السيرا في مدح خير الورى ص 28 .
( 3 ) المسمى ب « طراز الحلّة وشفاء الغلّة » .
( الحلة السّيرا في مدح خير الورى ص 19 ) .
( 4 ) المدائح النبوية في الأدب العربي ص 168 .