تخطي إلى المحتوى الرئيسي

خزانة الأدب وغاية الأرب — صفحة 142

مساهمون:

ص١٤٢
و - أثر المجتمع واجتماعه مع الأسباب السابقة : ما إن انتشر فنّ البديعيات بين الناس حتى تقبّلوه واستبشروا به خيرا واحتفوا بأهله ، وقد سبق أن أشرت إلى طلب أولي الأمر له والحضّ على نظمه ، وهذا ممّا حدا بالشعراء إلى الإقبال عليه والإدلاء بدلوهم في منهله ، علّهم يحظون بآذان الشعب وقلوبهم ، ولا سيّما في وقت كان الشعراء فيه يعيشون عيشة الغرباء بين حكّام في غالبهم من غير العرب لا يجيدون فهم هذه اللغة وأساليبها ، لبعد أذواقهم عن فهم البلاغة العربية ، فكانت مرحلة تقرّب الأديب أو الشاعر من طبقات المجتمع الأخرى ، ممّن يسمع ويفهم ويطرب لكلّ تعبير من تعابير العربية الفصيحة ، وذلك ليستطيع الوصول إلى ذروة الشهرة بينهم ، فيضمن لنتاجه الأدبيّ الرواج والفلاح ، وكانت « البديعيات » عند معظم أصحاب البديعيات وسيلة اتّخذوها ليحققوا غاياتهم ، ومجالا واسعا ينطلقون منه إلى حيّز الظهور والشهرة « 1 » . والسؤال الذي يطرح نفسه الآن هو : متى نشأت « البديعيات » ، وعلى يد من من الشعراء ولدت البديعية الأولى التي أطلقت عقال عشرات الشعراء فيما بعد لكي ينظموا في هذا الفنّ الجديد ؟ ! ! لقد اختلف العلماء ومؤرّخو البلاغة ودارسو الأدب في تحديد أوّل بديعيّة ، وبالتالي اختلفوا في تحديد أوّل بديعيّ سنّ للشعراء هذه السنّة الأدبيّة ، ذلك لأن معرفة البدايات قد تكون من أعضل المشكلات ، ولا سيّما في فنّ « البديعيّات » الذي تشعّبت بداياته ، فتسعّبت الطرق إليها « 2 » . ومن خلال استقراء آراء هؤلاء العلماء والدارسين المتباينة يبدو أنّ مكان الأوّليّة يتنازعه أربعة من الشعراء ، وهم : يحيى بن عبد المعطي الزواوي المتوفّى سنة
هامش
( 1 ) انظر « البديعيات في الأدب العربي » ص 31 - 39 . ( 2 ) أضف إلى ذلك أن موضوع البديعيات لم يحظ بدراسة كاملة لمعظم جوانبه ولا سيما « بداياته » ، إلّا على يد نفر قليل توقّفوا عنده قليلا في سياق أبحاثهم العامة ، باستثناء باحث واحد - كما أعتقد - هو علي أبو زيد الذي قام بدراسة مفصلة لهذا الفن تقدم بها لنيل شهادة الماجستير من كلية الآداب في جامعة دمشق ، تحت عنوان : « البديعيات في الأدب العربي » .
خزانة الأدب وغاية الأرب — صفحة 142 | كوكب دياب / علي بن محمد الحموي ( ابن حجة الحموي )