تخطي إلى المحتوى الرئيسي

خزانة الأدب وغاية الأرب — صفحة 145

مساهمون:

ص١٤٥
يصرّح باسم هذا النوع أحيانا ، وقد لا يصرح به أحيانا أخرى . وينطلق الربداوي من هذا ليقول : « فلو عدنا إلى كلّ من ابن جابر والحلّيّ ، وطرحنا السؤال التالي : لما ذا اختار ابن جابر بحر قصيدته من البسيط وقافيتها الميمية ، ولما ذا كانت مخصوصة بمدح الرسول ؟ ؟ أظن أنه لا جواب عنده لهذا السؤال اللّهمّ إلّا إذا أجاب بما أجاب به زكيّ مبارك من أن ابن جابر تأثّر بالبوصيري وقصيدته ، ولكن هذه الأسئلة تحمل الإجابة في ثناياها من خلال مقدّمة الحليّ الآنفة الذكر ، فالذي دفعه إلى مدح الرسول هو تلك الرؤيا التي رآها في منامه كما ذكر هو ، وهذه الرؤيا التي رآها الحلّيّ في منامه تذكرنا فورا بمنام البوصيري وتقاضي الرسول المديح منه ، فلا غرابة أن ينشط الحلّي بمعارضة البوصيري في قصيدة كقصيدته ما دامت دواعي النظم متشابهة ، فلما ذا لا يستريح الحليّ من البحث عن بحر وقافية وموضوع لقصيدته ما دام يعيش التجربة نفسها التي عاشها البوصيريّ ، فكل ظروف الحليّ تشبه ظروف البوصيريّ ، فلذا ما عليه إلّا أن يفرغ معانيه وأفكاره في قوالب مشابهة لمعاني كان غيره قد مرّ بها ، وإذا كان ثمّة فرق بين الحلّيّ والبوصيريّ فهو في أنّ الحلّيّ ضمّن قصيدته أنواع البديع ، وهذا أمر طالما فكر فيه الحلّيّ ، وكان يودّ أن يؤلّف فيه كتابا لولا ما ألمّ به من مرض ؛ فمن كل هذا نستخلص نتيجة واحدة وهي أنّ الحلّيّ لديه من مسوّغات السبق في نظم البديعيات أكثر وأرجح مما لدى ابن جابر كما ذهب زكيّ مبارك ؛ ومن كل هذا نستطيع أن نحكم بأسبقيّة الحلّيّ على ابن جابر في نظم البديعيّة ، ولكن لا نستطيع أن نقول أنّه أوّل من ابتكر فنّ البديعيات » « 1 » . ولم يكن هذا موقف الربداوي وحده ، بل سبقه وشاركه فيه كثير من الباحثين ، منهم ابن حجر العسقلانيّ ، إذ قال : « ونظم « الحلّة السّيرا في مدح خير الورى » ، على قافية الميم ، بديعية على طريقة الصفيّ الحلّيّ » « 2 » ، كذلك فعل ابن حجّة الحمويّ في خزانته ، إذ كان يقدّم بيت الصفيّ في الاستشهاد ثم بيت ابن جابر ، ثمّ بيت الموصليّ . ودأب دأب ابن حجر وابن حجة كثيرون ممّن أرّخوا للأدب العربي عامّة ، فوضعوا صفيّ الدين الحليّ في مقام الرّيادة والأسبقية ، ويكاد يتّفق العلماء وجمهور الباحثين في الماضي والحاضر على أنّ صفيّ الدين أوّل من نهض بفنّ البديعيات ،
هامش
( 1 ) الدرر الكامنة 3 / 429 - 430 . ( 2 ) « ابن حجة الحموي شاعرا وناقدا » ص 190 .