الكتب المسطّرة . وما يشهد بذلك مؤلّفات صفيّ الدين الحليّ وابن حجة الحمويّ وعبد الغني النابلسيّ وغيرهم ، وحسبهم ما ألّفوه من شروح حول بديعيّاتهم ليشهد لهم بقدرتهم على التأليف ولا سيّما في هذا الفنّ الطريف ؛ فكثيرا ما كان يعكف ناظم البديعية على بديعيته شرحا ودراسة لما تضمّنته من فنون البديع ، ويقدّم بين يديها الأمثلة والشواهد الكثيرة ، حتّى غدت شروحهم تلك معارض للأدب وخزائن للبلاغة العربية ، وهذا يشهد بغزارة معارفهم وما يدخرون من علوم وفنون .
د - المرض ورقّة العواطف عند ناظم البديعية المريض واجتماع ذلك مع الأسباب السابقة :
لقد اقتصر هذا السبب على صفيّ الدين الحليّ صاحب أوّل بديعيّة ، وقد سبق الكلام على مرضه الذي طالت مدّته وامتدّت شدّته . وممّا لا ريب فيه أن المريض ذو روح شفافة رقيقة ، يبحث عن دواعي شفائه أينما كانت ، علّة يجد بصيص أمل بشفائه ، فيتعلّق بحبال الهواء ، تعلّق الغريق بعود قشّ وجده على سطح الماء ، ولا سيّما إذا كان المرض عضالا ، والمريض مؤمنا لا يقنط من رحمة ربّه ، وهو يعلم حادثة جرت لمريض قبله ، لجأ إلى اللّه متوسّلا بنبيّه ، فوجد خيرا ؛ فالدوافع التي تعتلج في نفسه لا تقلّ عن تلك التي اختلجت في نفس البوصيريّ ، وما كان لها من انعكاسات نفسيّة تجعله أقرب لأن يمتثل للشفاء ، كما تجعل النفس أرقّ وأخشع على أعتاب خالقها . فهذا النفح الإيمانيّ وتلك الروح الشفافة الرقيقة ، وحسّ الشاعر المرهف ، بالإضافة إلى الشاعرية القويّة ، والرغبة في المدح والتأليف ، والمدّخر العلميّ الكبير تفاعلت فيما بينها مجتمعة في نفس الشاعر وساعدت على إبراز أوّل بديعيّة إلى حيّز الوجود .
ه - السعي إلى الشهرة ، والرغبة في المعارضة ، وحبّ الظهور والتكثّر :
ما إن ضربت بردة البوصيري في الآفاق حتى اجتمع حولها الشعراء وراحوا يقلّدونها ويعارضونها ويشطّرونها ويربّعونها ويخمّسونها ساعين من وراء ذلك إلى مجاراتها شهرة وقيمة ودورانا على الألسنة . وكان من هؤلاء الشعراء الشاعر المؤلّف الأديب صفيّ الدين الحلّيّ ، إذ نظم قصيدة على غرار بردة البوصيريّ ، مقتفيا خطاها في بحرها ورويّها وموضوعها ، لم لا والعلّة واحدة ، وقد أضاف إلى ذلك تضمين كل بيت من أبياتها نوعا من أنواع البديع ، يكون البيت شاهدا له ، فدخل بذلك إلى
خزانة الأدب وغاية الأرب — صفحة 139
مساهمون: كوكب دياب
ص١٣٩