وخرجت من بيتي . . . » « 1 » ، ومنذ ذلك الوقت عرفت قصيدته ب « البردة » ، كما عرفت ب « البراءة » لأنّ البوصيريّ برئ بسببها من علّته .
ثم انطلقت هذه القصيدة تجوب الآفاق ، فانتشرت بين الناس أيّما انتشار ، ونشأت حولها شروح كثيرة وتناولها المقلّدون والمعارضون والمشطّرون والمربّعون ، والمخمّسون . . . ، حتى أصبحت مجالس الصوفيّة وحلقاتها لا تفتتح وتختتم إلّا بها « 2 » . وذلك يعود لموضوع القصيدة أولا ، ولسلاسة نظمها وعذوبته ، ورقّة ألفاظها وجمال تراكيبها ، وروعة موسيقاها وانسياب وزنها وخفّة قافيتها وجمال رويّها ، بالإضافة إلى قصّة الرؤيا التي تحدّث عنها البوصيريّ .
ولمّا كان للبردة ذاك الانتشار وذاك الأثر ، كان لا بدّ لها من أن تؤثّر في أوّل قصيدة بديعيّة تلتها على يد صفيّ الدين الحلّيّ . ومن يقارن بين « البردة » و « بديعية » الحلّيّ وبين دوافع كلّ منهما ، يجد بسهولة متانة العلاقة بين المدائح النبويّة عامّة والبردة خاصة من جهة ، وبين البديعيات من جهة أخرى .
فالبوصيري الذي يعتبر ممثّل المدائح النبوية ، والحلّي الذي يعتبر ممثّل البديعيات ، تعرّض كلّ منهما لمرض عضال ألجأهما قبل أن ينظما قصيدتيهما إلى اللّه تعالى متوسّلين بنبيّه آملين الشفاء ؛ كما أنّ كليهما قد برئ من مرضه بعد نظم القصيدة ، ثمّ إنّ كليهما قد سلك سبيل الشعر في توسّله للّه ، وكلاهما نظم قصيدته من البحر البسيط ، ورويّ الميم المكسورة ، إلّا أنّ صفيّ الدين زاد على البوصيريّ بتضمينه قصيدته الفنون البديعيّة ، وقد أشار إلى ذلك عبد الغني النابلسيّ في كتابه « نفحات الأزهار على نسمات الأسحار » إذ قال : « فنظم قصيدة من بحر البسيط على قافية الميم ، مدح فيها النبيّ ( صلى اللّه عليه وسلم ) ، مثل قصيدة البوصيري التي سمّاها « البردة » ، جامعا فيها مائة وواحدا وخمسين نوعا من البديع ، وإن عدّت أصناف التجنيس نوعا واحدا بلغ ذلك مائة وأربعين نوعا . . . » « 3 » .
كلّ هذه الاتفاقات بين الناظمين البوصيريّ والحليّ ، وبين قصيدتيهما تدلّ على
هامش
( 1 ) فوات الوفيات للكتبي 3 / 368 ؛ وكشف الظنون 2 / 1331 - 1332 .
( 2 ) انظر البديعيات في الأدب العربي ص 21 .
( 3 ) نفحات الأزهار ص 3 .