تخطي إلى المحتوى الرئيسي

خزانة الأدب وغاية الأرب — صفحة 137

مساهمون:

ص١٣٧
وجود روابط متينة بين « المدائح النبويّة » و « البديعيات » ، ثمّ بين هذه والتأليف البديعيّ . والذي يتبادر إلى الذهن هو السؤال التالي : ما أسباب نشأة البديعيّات ؟ ممّا لا شكّ فيه أنّ البديعيّات لم تنشأ بين ليلة وضحاها ، بل تضافرت حولها عوامل ودوافع عدّة وتفاعلت وتكاملت حتى أخرجتها إلى حيّز النور مكتملة الخلق سويّة ؛ ثمّ إنّ هذه الدوافع لم تتوقّف مع ظهور هذا الفنّ ، بل استمدّت قوّتها من أعماق التراث والبيئة وانطلقت تحرّض على نشأته ليكون نتيجة طبيعيّة لها ، واستمرّت ترافقه في كلّ أطواره تغذّيه وتنمّيه وتساعده على رحلته الطويلة في التراث العربيّ . ومن يطّلع على نصوص البديعيات وما تضمّنته من إشارات ، يجد أنّ هناك دوافع مكنونة وراءها وأسبابا متلازمة دفعت هذا الفنّ إلى الظهور والتقدّم والنضج . ولعلّ أهمّ هذه الدوافع : أ - الرغبة في التأليف البلاغيّ عامّة والبديعيّ خاصّة : فبدافع معرفة إعجاز القرآن الكريم وفهم ما ورد في آي الذكر الحكيم ، نشطت حركة التأليف في البلاغة عامة ، وفي البديع خاصّة ، فهذا صفيّ الدين الحلّيّ ناظم أوّل بديعيّة يصرّح في مقدّمة شرحه لبديعيّته بأنه اعتزم على تأليف كتاب في البلاغة ، وذلك انسجاما مع تلك الحركة الناشطة في التأليف البلاغيّ في عصره ، لولا أنّ علّة لازمته فعدل عن تأليف كتاب في البلاغة إلى تأليف منظومة يجعلها بمثابة كتاب لقواعد فنّ البديع ، فكانت غايته الأولى إذا تأليف كتاب يضمّ أنواع البديع التي وصل إليها والتي استخرجها من مطالعاته وقراءاته . ولنستمع إليه في مقدّمة شرحه لبديعيته يقول : « فإنّ أحقّ العلوم بالتقديم وأجدرها بالاقتباس والتعليم ، بعد معرفة اللّه العظيم ، معرفة حقائق كلامه الكريم وفهم ما أنزل في الذكر الحكيم ، لتؤمن غائلة الشكّ والتوهيم . . . ، ولا سبيل إلى ذلك إلّا بمعرفة علم البلاغة وتوابعها من محاسن البديع اللتين بهما يعرف وجه إعجاز القرآن . . . فجمعت ما وجدت في كتب العلماء ، وأضفت إليه أنواعا استخرجتها من أشعار القدماء ، وعزمت أن أؤلّف كتابا يحيط بجلّها إذ لا سبيل إلى الإحاطة بكلّها ، فعرضت لي علّة طالت مدّتها وامتدّت شدّتها ، واتفق لي أن رأيت في المنام رسالة من النبيّ ، عليه أفضل الصّلاة والسّلام ، يتقاضاني المدح ، ويعدني البرء من السقام ، فعدلت عن تأليف الكتاب إلى نظم