تخطي إلى المحتوى الرئيسي

خزانة الأدب وغاية الأرب — صفحة 135

مساهمون:

ص١٣٥
مديح الرسول فنّ كبير ، نما وازدهر ازدهارا كبيرا ، وهو فنّ البديعيّات ، وقد أكثر منه شعراء هذه الفترة ، حتى لا يكاد شاعر يخلو شعره من بديعيّة يمدح فيها الرسول ، إلّا أنّ هذه البديعيات لم تعد أثرا شعريّا فنّيّا وحسب ، بل طغت عليها الناحية العلميّة لما حوته من فنون وصور بديعيّة . إذا لم يكن مديح رسول اللّه ( صلى اللّه عليه وسلم ) وحده كافيا لإنشاء القصيدة البديعيّة ، رغم كونه أساسا في كيانها ، إنّما أصبحت البديعيّة تضيف إلى المديح النبويّ ألوان البديع ، مع المحافظة على البحر البسيط ، والميم المكسورة رويّا ، وطول القصيدة أبياتا . ويبدو أنّ الذي فجّر ينبوع البديعيّات شاعر صوفيّ مصريّ من قرية « بوصير » من أعمال بني سويف ، مغربيّ الأصل ، من قبيلة صنهاجة ، اسمه محمد بن سعيد بن حمّاد بن عبد اللّه الصّنهاجيّ الدولاصيّ ثمّ البوصيريّ ، شرف الدين ، المولود سنة 608 ه . ، والمتوفّى في الإسكندرية سنة 694 ه . « 1 » . لقد نظم هذا الشاعر قصيدة في مديح الرسول ( صلى اللّه عليه وسلم ) ، من مائة وستّين بيتا « 2 » ، عرفت ب « البردة » أو « البراءة » ، مطلعها ( من البسيط ) :
أمن تذكّر جيران بذي سلم * مزجت دمعا جرى من مقلة بدم « 3 »
فكانت قصيدته فتحا كبيرا في باب المدائح النبويّة ، ولجه الشعراء بعده ، وأصبحت مثلا يحتذى ونهجا يسلكه المادحون . وأمّا عن سبب نظم هذه القصيدة فيقول البوصيري : « كنت قد نظمت قصائد في مدح الرسول ( صلى اللّه عليه وسلم ) منها ما كان اقترحه عليّ الصاحب زين الدين يعقوب بن الزبير ، ثم اتفق بعد ذلك أن أصابني فالج أبطل نصفي ، ففكّرت في عمل قصيدتي هذه ، فعملتها ، واستشفعت بها إلى اللّه تعالى في أن يعافيني ، وكرّرت إنشادها ، ودعوت ، وتوسّلت ، ونمت ، فرأيت النبيّ ( صلى اللّه عليه وسلم ) ، فمسح وجهي بيده المباركة ، وألقى عليّ بردة ، فانتبهت ووجدت فيّ نهضة ، فقمت
هامش
( 1 ) كشف الظنون 2 / 1331 . ( 2 ) كما وردت في الديوان ص 165 وما بعدها ؛ وفي كشف الظنون 2 / 1331 ، « من مائة واثنين وستين بيتا » . ( 3 ) ديوانه ص 165 .
خزانة الأدب وغاية الأرب — صفحة 135 | كوكب دياب / علي بن محمد الحموي ( ابن حجة الحموي )