الفصل الثاني : البديعيّات : نشأتها وتطوّرها
شهد القرن السابع الهجري لونا جديدا من التأليف في البلاغة عامة والبديع خاصّة على يد يحيى بن عبد المعطي الزواويّ المتوفي سنة ( 628 ه . ) ، ومن ثمّ على يد عليّ بن عثمان الإربليّ ( المتوفّى سنة 670 ه . ) « 1 » ، معاصر ابن أبي الأصبع المصريّ ، إذ نظم قصيدة مدح في شخص مجهول ، من ستّة وثلاثين بيتا ، في كلّ بيت منها نوع من أنواع البديع التي كانت شائعة في عصره ، وقد وضع بإزاء كلّ بيت اسم المحسّن البديعيّ الذي تضمّنه ، دون أن يسمّي قصيدته « بديعيّة » « 2 » .
وتعتبر هذه القصيدة المحاولة الأولى في الاتجاه الذي أخذ بعد ذلك يشيع بين الشعراء بدخولهم في ميدان البديع ينظمون فنونه في قصائد مدح عرفت فيما بعد باسم « البديعيّات » .
وقبل الكلام على هذه « البديعيات » لا بدّ من إظهار العلاقة بينها وبين المدائح النبويّة .
لقد كثرت المدائح في شخصيّة الرسول ( صلى اللّه عليه وسلم ) منذ أن بعث هاديا ومبشّرا ونذيرا ، وبرزت على يد المتصوّفين من الشعراء خاصة ، إذ إنّها لون من التعبير عن العواطف الدينية ، وباب رفيع من الأدب ، لا يصدر إلّا عن قلوب مفعمة بالإيمان ، ملأى بالإعجاب بشخصه الكريم . وقد نشأت هذه المدائح النبوية منذ أواخر العصر الجاهليّ ، بدليل أنّ الأعشى مدح الرسول الكريم في السنة الثامنة للهجرة في قصيدة له مطلعها ( من الطويل ) :
ألم تغتمض عيناك ليلة أرمدا * وعادك ما عاد السّليم المسهّدا « 3 »
وكذلك فعل كلّ من حسّان بن ثابت وكعب بن زهير ، وشعراء كثيرون في صدر الإسلام والعصرين الأمويّ والعباسيّ . . . إلى أن نشأ في العصر المملوكيّ حول
هامش
( 1 ) سيأتي الكلام عليهما في هذا الفصل .
( 2 ) سيأتي تعريف « البديعيات » في الفصل التالي ، بعد الكلام ، في هذا الفصل ، على « نشأتها وتطورها » ؛ إذ لم أجد لها تعريفا إلّا بعد ذكر خصائصها منذ نشأتها .
( 3 ) ديوانه ص 100 .