وبعد فترة بسيطة جدّا انطلق علم البديع من قيوده النثرية إلى منظومات شعريّة ، عرفت ب « البديعيات » « 1 » ؛ كانت قد مهّد لها علي بن عثمان الإربليّ في القرن السابع الهجري ، وقد اشتهر من أصحابها صفي الدّين الحليّ ، وابن جابر الأندلسيّ ، وعز الدين الموصليّ في القرن الثامن الهجريّ ، ثمّ ابن حجّة الحمويّ في القرنين الثامن والتاسع .
هذا ، وقد ألّفت منذ أواسط القرن الثالث الهجريّ حتى القرن التاسع عشرات المؤلّفات في البديع ، فتحدّثت عن أنواعه وأجناسه وفنونه وألوانه ، وتفاوتت إيجازا وتفصيلا ، وعندما أتيح لابن حجة أن يصنّف « شرحه على بديعيته » كان قد اطّلع على كثير من هذه المؤلّفات التي تناولت أنواع البديع .
وقد نشطت حركة التأليف في البلاغة وعلومها في عصر ابن حجّة ، فوضعت كتب كثيرة في علوم المعاني والبيان والبديع ، وبالرغم من أنّها لم تكن أكثر من شروح وتعليقات أو مختصرات للكتب التي ألّفت في القرون السابقة ، إلّا أنّها كانت تعنى بالبديع عناية أكبر من تلك التي أولته إيّاها الكتب والمصنّفات المتقدّمة ، حتى أفردت لفنّ البديع مؤلّفات خاصة ، مثل « المطلب المنيع في أنواع البديع » لأبي البقاء الأحمديّ الشافعيّ . ثمّ امتدّت تلك العناية المفرطة بالتأليف في فنّ البديع إلى أبعد من ذلك ، فقد شرع علماء البلاغة يؤلّفون الكتب ، ليس في فنّ البديع المشتمل على عشرات الأنواع البديعية وحسب ، بل ضيّقوا دائرة التأليف ، فألّفوا كتبا في جزئيات علم البديع ، أو في بعض أنواعه ، فقصر بعض العلماء تأليفهم مثلا على نوع « التضمين » ، كما فعل عبد اللّه بن سلامة الادكاويّ في كتابه « الدرّ الثمين في محاسن التضمين » ، وألّف النواجيّ تلميذ ابن حجّة كتابا في بديع الاكتفاء سمّاه « الشفاء في بديع الاكتفاء » ، وكان للجناس والتورية حصّة الأسد من مجهود المؤلّفين وتأليفهم البديعيّ ، إذ تبارى علماء البديع في تأليفهم في هذين النوعين ، فألّف أنصار الجناس كتبا فيه منها : « جنان الجناس » للصّفديّ ، و « فكاهة الجليس في أنواع التجنيس » للقاياتيّ ، و « إزالة الالتباس للتفريق بين الاشتقاق والجناس » لبدر الدين الحمدانيّ ، كما ألّف أنصار التورية كتبا فيهما منها : « كشف اللثام عن وجه التورية والاستخدام »
هامش
( 1 ) وسيأتي الكلام على أهم هذه البديعيات بالتفصيل في الفصل الخامس وما يليه من هذه الدراسة .