أدرك الآخرون ! ثم ما أدرك هذه المحبة وهذا الوفاء إلّا في نطاق الطبع الخالص ، الذي يجري بنفسه من نفسه ، فأحبّ حسّه أن الحرية لها قدسية يريدها الوجود ويأبى عنها بديلا وفي رحبها تدور كل عاطفة وكل فكر ، وفي رحبها يكون الحبّ ويجري الوفاء صريحين طليقين ، فإذا « شرّ الإخوان من تكلّف له » وإذا خيرهم غير هذا !
هل سألت عن حاكم يحذّر نفسه أن يأكل خبزا فيشبع في مواطن يكثر فيها من لا عهد لهم بشبع ، وأن يلبس ثوبا ناعما وفي أبناء الشعب من يرتدي خشن اللباس ، وأن يقتني درهما وفي الناس فقر وحاجة ، ويوصي أبناءه وأنصاره ألّا يسيروا مع نفوسهم غير هذه السيرة ، ثم يقاضي أخاه لمكان دينار طلبه من مال الشعب من غير بلاء ، ويقاضي أعوانه ومبايعيه وولاته من أجل رغيف يأكلونه في رشوة من غنيّ ، فيتهدّد ويتوعّد ويبعث إلى أحد ولاته بأنه يقسم باللّه صادقا إنّ هو خان من مال الشعب شيئا صغيرا أو كبيرا ليشدّنّ عليه شدّة تدعه قليل الوفر ، ثقيل الظهر ، ضئيل الأمر . ويخاطب آخر بهذا القول الموجز الرائع الإيجاز : « بلغني أنك جرّدت الأرض فأخذت ما تحت قدميك ، وأكلت ما تحت قدميك ، فارفع ليّ حسابك » . ويتوعّد ثالثا ممّن يرتشون ويسعون في الإثراء على حساب
أخلاقيات الإمام علي أمير المؤمنين ( ع ) — صفحة 51
مساهمون: هادي المدرسي
ص٥١