سيمنعون عنه الماء الجاري حتى يموت عطشا . فيزلزلهم عن الماء ويحتلّه . ثم يدعوهم إلى هذا الماء أسوة بنفسه وبصحبة وبالطير الشارب ولا زاجر له ، ثم يقول : « ما المجاهد الشهيد في سبيل اللّه بأعظم أجرا ممّن قدر فعفا : « لكاد العفيف أن يكون ملاكا من الملائكة » حتى إذا هو طالته اليد الآثمة فقضت عليه ، قال لصحبه بشأن قاتله : « لأن تعفو أقرب إلى التقوى » ! .
محارب شجاع تتّصل في قلبه أسباب الشجاعة الغريبة والفروسية النادرة ، بأسباب العطف والحنان العجيبين ، فيعاتب المتآمرين به وله القدرة على أن يضرب فيصرع . وهو لا يعاتبهم إلّا منفردا ، أعزل ، حاسر الرأس ، وهم مدججون بالسلاح لا يكاد يبدو لهم وجه إلّا من خلاله ، ثم يذكّرهم بالإخاء الإنساني وبالمودّات ، ثم يبكي لهم إذا هم حثّوا السير في هذه الطريق ، حتى إذا أبوا إلّا دمه وهو سيف المستضعف والمحروم ، صبر لهم حتى يبدأوه القتال ، ثم راح يزلزلهم زلزلة ويقصفهم قصفا ويعصف بمطامعهم كما تعصف الرياح السافيات برمال الصحراء فتذروها بددا بددا . وهو لا يصرّح منهم إلّا الطاغية الباغية الذي تبيّن فيه العداء والقصد للشر ! ثم إذا هو ظفر بكى قتلاهم وهم في الواقع قتلى الأنانية والأثرة تأتيهم من المطمع السقيم والهوى المنحرف !
أخلاقيات الإمام علي أمير المؤمنين ( ع ) — صفحة 54
مساهمون: هادي المدرسي
ص٥٤