ثم إن هناك من يكون زهده في الدنيا هروبا من مواجهة الصعاب ، وتحمّل المشاقّ فهو عاشقها ولكنه عاجز عنها . أو أنّه يحاول أن يلقي كل المسؤولية عن تردّي أوضاع الناس ، وأوضاعه على الدنيا ، لتكون مسؤولية صلاح الأرض على غيره ومسؤولية الفساد على مجهول . .
لقد سمع الإمام علي عليه السّلام رجلا من هذا النوع ، يذمّ الدنيا هروبا من جهة وتخلّصا من المسؤولية من جهة أخرى ، فقال له :
- « أيّها الذامّ للدنيا ، المغترّ بغرورها المخدوع بأباطيلها ، أتغترّ بالدنيا ثم تذمّها ؟ » .
« أنت المتجرّم عليها أم هي المتجرّمة عليك » ؟
« متى استهوتك ؟ أم متى غرّتك ؟ أبمصارع آبائك من البلى ؟ أم بمضاجع أمهاتك تحت الثرى » ؟
« كم علّلت بكفّيك ؟ وكم مرّضت بيديك ، تبتغي لهم الشفاء وتستوصف لهم الأطباء ، غداة لا يغني عنهم دواؤك ، ولا يجدي عليهم بكاؤك ، لم ينفع أحدهم إشفاقك ، ولم تسعف فيه بطلبتك ، ولم ترفع عنه بقوّتك ! ، وقد مثّلت لك به الدّنيا نفسك ، وبمصرعه مصرعك » .
« إن الدنيا دار صدق لمن صدقها ، ودار عافية لمن فهم عنها ، ودار غنى لمن تزوّد منها ، ودار موعظة لمن اتّعظ بها .
أخلاقيات الإمام علي أمير المؤمنين ( ع ) — صفحة 265
مساهمون: هادي المدرسي
ص٢٦٥