قيل : كان بالبصرة شاب يقال له رضوان ، كثير اللهو والعصيان ، والتيه والطغيان يبيت الليالي بالخمر سكران ، قد غلبت عليه شقوته وأغواه الشيطان ، فبينما هو في بعض الأيّام معتكف على شرب المدام ، ومعه جماعة من أصحابه الموافقين على الذّنوب والآثام ، إذ سمع رجلا فقيرا ينشد في الطريق .
( البحر الطويل )
إذا ما خلوت الدّهر يوما فلا تقل * خلوت ولكن قل عليّ رقيب
ولا تحسبن اللّه يغفل لمحة * ولا أن ما يخفى عليه يغيب
فبكى الشاب ، وقال : باللّه عليك يا فقير ، إلّا ما أعدت إليّ قولك ، فأعاده فأقسم عليه الشاب أن يحضر مجلسهم ، فحضر . فقال له : واللّه يا سيّدي لقد سعدنا برؤياك ، وأعجبنا صوتك وحسن غناك ، فغن لنا وطيب عيشنا فأنشد الفقير وقال :
( البحر الكامل )
تعصي الإله وأنت تأكل رزقه * ويراك إذ من خلفه تتكتم
فاحذر فما حاولت أمرا منكرا * إلّا وينظره لديك ويعلم
فبكى الشاب وخرّ مغشيا عليه ، فلما أفاق من غشيته كسر أواني الخمر ، وأقبل على الفقير ، وقال : يا سيّدي هل من توبة ؟ فأنشد :
( البحر السريع )
هذا زمان الصلح ما أقعدك * عن باب من للخير قد عوّدك
فإن محوت اليوم ما سطرت * أيدي خطاياك فما أسعدك
فصرخ الشاب ورمى بنفسه إلى الأرض مغشيا عليه ، فلما أفاق قال : يا سيّدي هل أخذني بما مضى ؟ فأنشد وقال :
( البحر السريع )
للّه ما أطيب صفو الوداد * وما ألذ القرب بعد البعاد
وما أشد الهجر من بعد ما * قد كنت من جملة أهل الوداد
يا ناسيا للعهد عاملتنا * ثمّ تعللت بطيب الرقاد
بمن تشاغلت وأين الّذي * حصلت كلا بل حرمت المراد