ونراك تصلح بالرشاد عقولنا * أبدا وأنت من الرشاد عديم
فابدأ بنفسك فإنّها عن غيها * فإذا انتهيت عنه فأنت حكيم
فهناك يقبل ما تقول وتهتدي * بالوعظ منك وينفع التعليم
لا تنه عن خلق وتأتي مثله * عار عليك إذا فعلت عظيم
فلما قرأ ذلك بكى بكاء شديدا حتّى أغمي عليه ، فلما أفاق قالوا له : يا سيّدي أنت كلامك موزون ، وعرضك مصون تشفي القلوب بوعظك وتسلي المحزون ، فكيف يؤثر في قلبك هذا الكلام ، وأنت إمام وأيّ إمام ، فبكى وقال :
أنا ما أصلح أن أتكلم على رؤوس النّاس ، فأنا أعرف بنفسي من غيري ، ثمّ فاضت عيناه واشتغل بوجده وجواه ، وما عاد أحد بعد ذلك اليوم يسمع كلامه ، ولا يراه حتّى مات رحمه اللّه .
إخواني : أفلا تنظرون إلى قلوب هؤلاء الأقوام ، كانت قلوبهم كالزجاجة رقيقة يؤثر فيها الكلام ، ويقدح زناد الموعظة في حراق قلوبهم نار الوجد والغرام وأنتم تسمعون المواعظ فلا يؤثر في قلوبكم ، ولا تغسلون بماء الدمع درن ذنوبكم بل تتركون ما ينفعكم وراء ظهوركم ، وتقبلون على اللهو والأباطيل كما قيل :
( البحر الطويل )
قلوب بذكر الوعظ تزداد قسوة * فلا الوعظ يجدي لا ولا العتب ينفع
الين مقالا في الكلام لعلّها * تلين فلا تصغي ولا تتخشع
إذا قلت : هذا مدرج القوم فادرجي * يقول الهوى : حدثت من ليس يسمع
وإن عرضت يوما إلى النّاس شهوة * تراها إلى ما يغضب الرب تسرع
وإن ليس للإنسان إلّا الّذي سعى * وكل مجازي بالّذي كان يصنع
إخواني : استحوذت عليكم الغفلة ، وغرتكم أيّام المهلة ، فيا مغترا في ظلمة بإمهاله ، فلا تحسبن اللّه غافلا عمّا يعمل الظالمون . ليست المهلة على الإطلاق ، إنّما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار ، فلو رأيتم يوم العرض قد خرجوا من قبورهم حيارى ، وبرزوا للّه الواحد القهّار ، ترجف بوادرهم يوم ترجف الراجفة عليهم أمارات الشقاء يعرف المجرمون بسيماهم ، إذا اشتد جوعهم ليس لهم طعام