ومن الطبيعي أنّ مقتضى إطلاق التحريم حرمة الفرار حتى مع افتراض كون العدو أكثر من الضعف ولكن لا بدّ من التقييد بأن لا يكون كذلك لقوله تعالى :
الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ
( 66 ) « 1 » .
وقوله تعالى :
زَحْفاً
مصدر بمعنى اسم الفاعل ، أي زاحفين ، وهو حال من الاسم الموصول .
وقوله :
فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ
كناية عن الفرار « 2 » لأنّ الذي يفر من شخص يعطي دبره إليه .
2 - يستثنى من حرمة الفرار حالتان :
1 - ما إذا قصد المقاتل المسلم التحرّف . والحرف هو الطرف والجانب « 3 » .
والتحرّف هو الابتعاد من الوسط إلى الطرف والجانب كي يمكن الكرّ على العدو من الجوانب وإلحاق ضربة قوية به . وهذا أحد فنون الحرب ، فيفر المقاتل من وجه العدو موحيا إليه بالانهزام ولكنّه يقصد من ذلك الوقوف وراءه ليلحق به ضربة قاضية .
ب - ما إذا قصد المقاتل المسلم التحيّز .
وكلمة « التحيّز » مشتقة من الحيّز ، وهو المكان « 4 » ، أي يحرم الفرار إلّا إذا قصد الفار الذهاب إلى مكان آخر ، وطبيعي يقصد الذهاب إلى مكان آخر من أجل أنّ فيه فئة ، أي جماعة من المسلمين .
ثمّ إنّ الفارق بين الاستثناءين هو أنّه في الأول يفرض الفرار إلى طرف ساحة الحرب وليس إلى أي مكان فيها ، وأيضا يفرض الفرار إلى الطرف لا يقيد التقوّي
هامش
( 1 ) الأنفال : 66 .
( 2 ) مفردات الراغب : 887 .
( 3 ) مجمع البحرين 5 : 36 .
( 4 ) جاء تفسير الحيّز في كتاب مجمع البيان 4 : 343 عند بحثه اللغوي .