غير خفية ، وأمّا غيبة العلماء فمنبعها من خدعة النّفس على إبداء النصيحة وتأويل ما لا يصلح من الخير ، ولو صح ما كان عونا على الغيبة حتّى يقول القائل منهم :
أليس قد روي عن النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أنّه قال : « أترعون عن ذكر الفاجر ، اذكروه بما فيه يحذره النّاس » ، ولو كان الخبر محفوظا عن النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم صحيحا لم يكن فيه انتصار للنفس من العدو ولا إشفاء الغيظ ، ولا إبداء شناعة على أخيك المسلم من غير أن تسأل عنه أو يأتيك مسترشدا ، فيقول : أريد أزوّج كريمتي من فلان ، فتعرف منه بدعة ، أو تخلفا عن قصد السبيل ، أو تجده غير مأمون على حرم المسلمين ، فلا تحملك الدعة على أن تخون أخاك المسلم في مشورته ، بل تصرفه عنه بأحسن صرف ، أو يجيئك آخر فيقول : إنّي أودع مالي فلانا ، وليس ذلك الرجل مكان الوديعة ، ولا موضعا للأمانة ، فلا تحملك الدّعة أن تضيّع مال أخيك ، بل تصرفه عنده بأحسن صرف ، أو يقول لك رجل : أريد أصلّي خلف فلان أو أجعله إمامي في علم أقلّده ، فتصرفه على أحسن الوجوه ولا تشف غيظك من غيبه .
وأمّا منبع الغيبة من القرّاء والنسّاك فمن طريق التعجب ، فإنّه يبدي عيوب إخوانه ، ثمّ يقول : إنّما أبدي هذا تعجّبا ، ويبدي عواري « 1 » الأخ ، ثمّ يتصنع بالدّعاء في ظهر الغيب ، فيتمكن من لحم أخيه المسلم ، ثمّ يتزين بالدّعاء له ، وأمّا منبع الغيبة من الرؤساء والأستاذين فذلك من طريق الرحمة والشفقة حتّى يقول أحدهم :
مسكين فلان أبتلي بكذا وكذا ، ووقع في كذا وكذا ، ونعوذ باللّه من الخذلان ، فيتصنع بإبداء الرحمة والشفقة على أخيه ، ثمّ يتصنع بالدّعاء له عند إخوانه ، ويقول :
إنّما أبديت لكم ذلك لتكثروا دعاءكم له ! .
ونعوذ باللّه من الغيبة تعريضا وتصريحا ، فاتق يا بنيّ الغيبة ، فقد نطق القرآن بكراهيتها والنهي عنها ، حتّى جعلها كأكل الميتة ، قال اللّه عزّ وجلّ :
أَ يُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً
« 2 » « 3 » .
هامش
( 1 ) عواري الشيء : ما فيه من خلل وعيب .
( 2 ) الحجرات : 12 .
( 3 ) عيون الحكايات ص 380 - 382 ، لابن القيم الجوزية .