فإن كنت يا نفس : تتركين الدّنيا لعمى بصيرتك ، وخبث سريرتك ، فما لك لا تتركينها ترفّعا عن خسّة شركائها ، وتنزّها عن كثرة عنائها ، وتوقّيا من سرعة فنائها ، مع إنّ بلادك لا تخلو من جماعة من اليهود والمجوس ، يزيدون عليك في المأكول والملبوس ، فأفّ لدنيا يسبقك بها هؤلاء الأبذال الإخسّاء الجهّال .
يا نفس : استعدي للآخرة ، على قدر هول أرض السّاهرة .
يا نفس : ألا تستعدّين للشّتاء بجمع عدّته ، بقدر طول مدّته ، فتجمعين له من الكسوة والأحطاب ، وجميع الأسباب ، ولا تتكّلين في ذلك بفضل اللّه وكرمه وجوده ونعمه ، حتّى يدفع عنك البرد وشدّته ، والقرّ ورعدته ، من غير جبّة أو لباد ، أو حطب وزناد « 1 » ، أو تظنّين أنّ زمهرير جهنّم وشدّته ، أخفّ من زمهرير الشّتاء ومدّته ، هيهات كما لا يندفع برد الشّتاء إلّا بالجبّة والنّار ، وسائر الآلات ، فكذا لا يندفع حرّ النّار وبردها إلّا بحصن التوحيد وخندق الطّاعات .
هامش
( 1 ) زند النّار : قدحها وأخرجها من الزند - الزند العود إلّا على الّذي يقتدح به النّار . ( المنجد ) .