الصّبوة ، وقضاء حقّ الشّهوة ، أبصبر ثلاثة أيّام ، ليتنعّم طول عمره ، أم يقضي في الحال شهوة وطره ، وليت شعري أألم الصّبر عن الشّهوات ، وكظم الغيظ عن العقوبات أعظم شدّة ، وأطول مدّة ، أم ألم النّار إذ عصيت الجبّار تفي جسمك بالحمية ، وفيه مخافة البارد والحارّ ، قد كان أولى بك أن تحتمي من المعاصي حذر النّار ، فمن لا يطيق الصّبر عن قضاء الوطر ، كيف يصبر يوم العرض على حرّ سقر ، وما أراك تتوانين عن النّظر لنفسك ، والتّمهيد لرمسك ، إلّا لكفر خفيّ أو لحمق جليّ .
أمّا الكفر الخفيّ فهو ضعف إيمانك بيوم الحساب ، وقلّة معرفتك بعظيم قدر الثّواب والعقاب ، وأمّا الحمق الجليّ فاعتمادك على عفوه تعالى ، وستره من غير التفات إلى معاجلته ومكره .
يا نفس : فلا تضيّعي أوقاتك ، ولا تأسي على ما فاتك .
( البحر الطويل )
إذا أبقت الدّنيا على المرء دينه * فما فاته منها فليس بضائر
فأنفاسك معدودة ، وأوقاتك محدودة ، فإذا مضى منك نفس ، فقد ذهب بعضك ، ومارت سماؤك ، ورحبت أرضك ، فاغتنمي صحّتك قبل سقمك ، وشبابك قبل هرمك ، فإنّ المرء صحّة وشباب ، فإذا ولّيا عن المرء ولّى .
ويحك يا نفس : إنزعي عن مهلك ، واقلعي عن فعلك ، وانظري إلى الّذين مضوا كيف بنوا وعلوا ، ثمّ ذهبوا وخلّوا ، وانظري إلى حمقهم كيف يجمعون ما لا يأكلون ، ويبنون ما لا يسكنون ، ويأملون ما لا يدركون ، فهل في الدّنيا أحمق ممّن يعمّر دنياه ، وهو مرتحل عنها يقينا ، ويخرّب آخرته وهو صائر إليها قطعا رهينا .
أما تستحيين يا نفس : من مساعدة هؤلاء على حماقتهم ، ومراودتهم على جهالتهم ، وهب انّك لست بخبيرة ولا ذات بصيرة ، وإنّما تميلين بطبع الصباء إلى التّشبيه في الاقتداء ، فقيسي عقل الأنبياء والأبدال بعقل هؤلاء الأغمار « 1 » الجهال .
هامش
( 1 ) رجل غمر بالضمّ وغمر بضمّتين لم يجرّب الأمور والجمع الأغمار .