ملك يتوب عن المعاصي والملاهي
حدّثنا أبو بكر القرشي قال : سمعت عياد بن عباد المهلبي يذكر أنّ رجلا من ملوك أهل البصرة تنسّك ، ثمّ مال إلى الدّنيا والسلطان ، فبنى دارا وشيّدها ومر بها ففرشت له ونجّدت ، واتخذ مائدة وصنع طعاما ، ودعا النّاس فجعلوا يدخلون عليه ويأكلون ويشربون وينظرون إلى بنائه ، ويتعجبون من ذلك ويدعون له ويتفرقون .
قال : فمكث بذلك زمانا حتى فرغ من أمر النّاس ، ثم جلس ونفر من خاصة إخوانه ، فقال : قد ترون سروري بداري هذا ، وقد حدّثت نفسي أن اتّخذ لكل واحد من ولدي مثلها ، فأقيموا عندي أيّاما استمتع بحديثكم وأشاوركم فيما أريد من هذا البناء لولدي ، فأقاموا عنده أيّاما يلهون ويلعبون ويشاورهم كيف يبني لولده ، وكيف يريد أن يصنع فبينا هم ذات ليلة في لهوهم ذلك إذ سمعوا قائلا يقول من أقاصي الدار :
( البحر البسيط التام )
يا أيّها الباني الناسي منيته * لا تأملن فإنّ الموت مكتوب
على الخلائق إن سروا وإن فرحوا * فالموت حتف لذي الآمال منصوب
لا تبنين ديارا لست تسكنها * وراجع النسك كيما يغفر الحوب « 1 »
قال : ففزع لذلك ، وفزع أصحابه فزعا شديدا ، وراعهم ما سمعوا من ذلك فقال لأصحابه : هل سمعتم ما سمعت ؟ قالوا : نعم . فقال : هل تجدون ما أجد ؟
قالوا : وما تجد ؟ قال : أجد واللّه مسكة « 2 » على فؤادي ، وما أراها إلّا علّة الموت .
فقالوا : كلا بل البقاء والعافية . قال : فبكى ، ثم أقبل عليهم ، فقال : أنتم أخلائي وإخواني ، فما ذا لي عندكم ؟ قالوا : مرنا بما أحببت من أمرك .
قال : فأمر بالّراب فأهريق ، ثم أمر بالملاهي فأحرقت ، ثمّ قال : اللّهمّ إنّي أشهدك ومن حضر من عبادك أنّي تائب إليك من جميع ذنوبي نادم على ما فرّطت
هامش
( 1 ) الذنب .
( 2 ) أثر وبقية .