أيّام مهلتي ، وإيّاك أسأل إن أقلتني أن تتم نعمتك عليّ بالإنابة إلى طاعتك ، وإن أنت قبضتني إليك أن تغفر لي ذنوبي تفضّلا منك عليّ .
واشتد به الألم ، فلم يزل يقول : الموت واللّه ، الموت واللّه ، حتى خرجت نفسه ، فكانت الفقهاء يرون أنّه مات على توبة « 1 » .
موعظة للغافلين
إيّاكم والغفلة يوم الحسرة ؟
: إخواني : أهل القبور قد أسروا وأكثر القوم في تجارتهم خسروا ، فمروا أنتم عليهم واعتبروا ، وتفكّروا في أحوالهم وانتظروا ، يتمنون العود وهيهات ، ويسألون التدارك وقد فات ، يا مطلقا اذكر قيودهم يا متحرّكا قد عرفت همودهم ، خلّص نفسك من أسر الذّنوب ، وتأهل فإنّك مطلوب ، وتذكّر بقلبك يوما تتقلّب فيه القلوب ، قبل أن يمسك اللّسان ويتحيّر الإنسان ، ويزول العرفان وتنشر الأكفان ، وتزول الخضرة وتطول السفرة ، ويأتي منكر ونكير ويقوى الشهيق والزفير ، ويلقى العبد ما أسلفه وينساه من خلفه ، ويبقى هناك أسيرا إلى أن يعود فيقوم عريانا حسيرا ، فحينئذ تسلب الكرائم وتنشر الجرائم ، وتعظم المصائب وتنسد المذاهب وتبين العجائب ، وتسود الوجوه ويفوت العاصي ما يرجوه ، وتثقل على الظهور الأوزار ، ويؤخذ الكتاب باليمين أو باليسار ، وليس لأحد هناك قرار إلّا الجنّة أو النّار ، فبادروا رحمكم اللّه بالمتاب ، قبل ما تعاينوا هذه الأهوال وتشهدون :
وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ
( 39 ) .
( البحر الرمل )
قف بنا يا صاح نبكي الندما * بعد من قد كان فيها سكنا
وتنادي من غرام مقلق * بعدهم في دارهم واحزنا
هامش
( 1 ) عيون الحكايات ص 404 - 405 لابن القيم الجوزية .