قال مالك : فأتيت منزلي ، فرأيت النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم في منامي ، وهو يقول : يا مالك ، لا تقنط النّاس من رحمة اللّه ، ولا تيئسهم من عفوه ، إنّ اللّه عزّ وجلّ قد اطلع من الملأ الأعلى على محمّد بن هارون ، فاستجاب له دعوته ، وأقاله عثرته ، أغد إليه ، فقل له : إنّ اللّه يجمع الأولين والآخرين يوم القيامة في صعيد ، فيقتص للجماء من القرناء ، ولا يذهب عليه مثقال ذرّة ، ويقول تبارك وتعالى : وعزّتي وجلالي لأجزينّ اليوم بعشر معشار الذر ، حتى اقتص للمظلوم ممّن ظلمه ، ويجمع بينك يا محمد بن هارون ، وبين أمّك ، فيحكم لها عليك ، ويأمر الملائكة يقودونك بسلاسل غلاظ إلى النّار ، فإذا قذفت فيها مقدار ثلاثة أيّام من أيّام الدّنيا ولياليها ؛ لأنّي آليت على نفسي أن لا يشرب المسكر عبد من عبيدي ويقتل النّفس التي حرّمت إلّا أذيقه طعم النّار ، ولو كان إبراهيم خليلي ، ثم أطرح في قلب أمّك الرحمة لك ، فألهمها أن تستوهبك منّي ، فأهبك لها ، فتأخذ بيدها ، فتدخلان الجنّة . قال مالك : فلما أصبحت غدوت إلى الشيخ ، وأخبرته برؤياي ، فوالذي قبض روحه لكأنّما كانت حياته حصاة طرحت في طشت فيه ماء ، فمات رحمه اللّه ، فكنت فيمن صلّى عليه « 1 » .
حد شرب الخمر
شرب قدامة بن مظعون الخمر فأراد عمر أن يحدّه ، فقال له قدامة : إنّه لا يجب عليّ الحد ، لأنّ اللّه تعالى يقول :
لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا إِذا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا
فدرأ عمر عنه الحد ، فبلغ ذلك أمير المؤمنين عليه السّلام فمشى إلى عمر فقال له : لم تركت إقامة الحد على قدامة في شربه الخمر ؟ فقال له : إنّه تلا عليّ الآية ، وتلاها عمر على أمير المؤمنين عليه السّلام ، فقال له أمير المؤمنين عليه السّلام : ليس قدامة من أهل هذه الآية ، ولا من سلك سبيله في ارتكاب ما حرّم اللّه عزّ وجلّ ، إنّ الذين آمنوا وعملوا الصالحات لا يستحلون حراما ، فاردد قدامة واستتبه ممّا قال ، فإن تاب فأقم عليه الحد ، وإن لم يتب فاقتله فقد خرج عن الملّة ، فاستيقظ عمر لذلك . وعرف قدامة الخبر . فأظهر التوبة
هامش
( 1 ) عيون الحكايات ص 135 - 137 .