أعبد ولا أزهد منه ! فعجبت من جميل الثناء عليه ، وما رأيت في منامي ، فقلت :
أرشدوني إليه . قالوا : إنّه منذ أربعين سنة يصوم النّهار ، ويقوم اللّيل ، ولا يأوي إلّا الخراب ، تظنه في خراب مكّة ، فجعلت أجول في الخراب ، وإذا به قائم خلف جدار ، وإذا يده اليمنى مقطوعة معلقة في عنقه ، وقد ثقب ترقويه ، فأدخل فيها سلسلة ، ومدها إلى قيدين في قدميه ، وهو ساجد وراكع ، فلما أحسّ بهمس قدمي من ورائه انفتل ، فقال :
من تكون ؟ ومن أين تكون ؟ فقلت : أنا مالك بن دينار من أهل البصرة ، قال :
أنت مالك الذي يذكر عنك أهل العراق العلم والزهد ؟ قلت : العالم اللّه عزّ وجلّ ، والزاهد عمر بن عبد العزيز ، قدر على الدّنيا ، فزهد فيها ، وأنا أزهدني الفقر .
قال : يا مالك ، فما ذا جاء بك إليّ ، قد رأيت لي رؤيا اقصصها عليّ ، فقلت :
أستحي أن أقصصها عليك . قال : لا تستحي يا مالك ، فقصصتها عليه ، فبكى طويلا ، وقال : يا مالك هذه الرؤيا ترى لي منذ أربعين سنة ، يراها في كل سنة رجل زاهد ، مثلك إنّي من أهل النّار .
قلت : بينك وبين اللّه ذنب عظيم ؟ قال : نعم ذنبي عظيم أعظم من السّماوات والأرض والكرسي والعرش ! قلت :
يا هذا ، حدّثني بذنبك لأحذّر النّاس العمل به .
قال : يا مالك ، كنت رجلا أكثر شرب هذا المسكر ، فشربت يوما عند خدن « 1 » لي حتى إذا ثملت وزال عقلي ، خرجت ، فأتيت منزلي ، فقرعت الباب على أهلي ، وكانت ابنة عمي ، ففتحت الباب ، فدخلت فإذا والدتي تحصب « 2 » تنورا لنا حتى قد أبيض جوفه ، فلما رأتني أتمايل بسكري ، أقبلت عليّ تغطيني وتقول : هذا آخر يوم من شعبان ، وأول ليلة من رمضان ، يصبح الناس غدا صواما ، وتصبح أنت سكرانا ، أما تستحي من اللّه ، فرفعت يدي فلكذتها .
هامش
( 1 ) صديق .
( 2 ) تلقي بالحطب في التنور ، وهو الفرن .