فصلّيت خلفه صلاة الفجر ، فلما سلّم انفتل إليّ ، ورحّب بي ، وقام ، وقمت معه ، ودخل إلى داره ، فلما جلسنا جاءته الجارية بمائدة لطيفة وعليها هريسة ، فقال :
يأكل الشريف ، فأكلت وأنا لا أحصل أمري ، فلما رأى تقصيري قال : أراك منقبضا ، فما الخبر ؟
فقصصت إليه القصة ، وإنّني أنفقت المال ، فقال : كل ، فإنّ حاجتك تقضى ، ثم أحضر حلوا ، فأكلنا ، فلما رفع الطعام ، وغسلنا أيدينا قال : يا جارية ، افتحي ذلك الباب ، فإذا خزانة مملوءة زبلا مجلدة ظفأ خرج إليّ بعضها ، وفتحها إلى أن أخرج النقد التي كانت الدنانير منه ، واستدعى الغلام والتخت والطيار ، فوزن عشرة آلاف دينار وبدرها ، وقال : يأخذ الشريف هذه ، فقلت : يثبتها الشيخ عليّ ، فقال :
أفعل ، وقمت ، وقد كاد عقلي يطير فرحا ، فركبت بغلتي ، وتركت الكيس على القربوس وغطيته بطيلساني ، وعدت إلى داري ، وانحدرت إلى دار السلطان بقلب قوي وجنان ثابت ، فقلت :
ما أظن إلّا أنّه قد استشعر فيّ أنّي قد أكلت مال اليتيم ، واستبددت به ، والمال فقد أخرجته ، فأحضر قاضي القضاة والشهود والنقباء وولاة العهود وفكّ حجره ، وسلّم المال إليه ، وعظّم الشكر لي والثناء عليّ ، فلما عدت إلى منزلي استدعاني أحد الأمراء من أولاد الخلافة ، وكان عظيم الحال ، فقال :
قد رغبت في معاملتك وتضمينك أملاكي مادرونا ونهر الملك ، فضمنت ذلك بما تقرر بيني وبينه من المال ، وجاءت السنة ، ووفيته ، وحصل في يدي من الربح ما له قدر كثير ، وكان ضماني لهذه الضياع ثلاث سنين ، فلما مضت حسبت حسابي ، وقد تحصل في يدي ثلاثون ألف دينار ، فعزلت عوض العشرة آلاف دينار التي أخذتها من دعلج ، وحملتها إليه ، وصليت معه الغداة ، فلما انفتل من صلاته ، ورآني نهض معي إلى داره ، وقدّم المائدة والهريسة ، وأكلت بجنان ثابت وقلب طيب ، فلما قضينا الأكل وقال لي : خبرك وحالك ، فقلت : بفضل اللّه وبفضلك قد أفدت بما فعلته معي ثلاثين ألف دينار ، وهذه عشرة آلاف عوض الدنانير أخذتها منك .
فقال : يا سبحان اللّه ! واللّه ما أخرجت الدنانير عن يدي ، ونويت أخذ عوضها ، حلّ بها الصبيان . فقلت له : أيّها الشيخ ، أي شيء أصل هذا المال حتى تهب لي
الأعمال المانعة من دخول الجنة — صفحة 160
مساهمون: محسن عقيل
ص١٦٠