والوافدين « 24 » .
والثاني ، أن العمل الخلقي التي احتضنته الدولة الفاطمية واستعملته لنشر مذهبها الشيعي تخلّق فردي ، أي يختص به الأفراد دون الجماعات .
فاحتاج الحكام الجدد في مصر إلى محو هذين المظهرين التجريد يين :
" الحكمة العرفانية " و " التخلق الفرداني " ، مع العلم بأنه لا سبيل إلى ذلك إلا بتحصيل الحكمة الشرعية والتخلق الجماعي ؛ وتبينوا أن هذا الأمر لا يمكن أن يقوم به إلا من تحقق بالتوجه التداولي الصحيح .
ولا يبعد أن تكون حالة الأخلاقيّين الفردانيين : محيي الدين بن عربي وعبد الحق بن سبعين حاضرة في أذهان هؤلاء الحكام ؛ فمعلوم أن هذين الأخلاقيّين الأندلسيين قد استقرا بالمغرب ، لكنهما ما لبثا أن تركاه ، متوجهين إلى المشرق ، طلبا لممارسة تجربتهما الإشراقية والأسرارية الفردانية ؛ وسواء أكان تركهما للمغرب عن رغبة أم عن رهبة « 25 » ، فإن ذلك شاهد حي على أن نوع الممارسة الخلقية الذي اشتهر به هذا البلد والذي بلغ صيته غالب الديار المشرقية ، لم يكن يوافق هواهما العرفاني الخاص .
ويبدو أن هؤلاء الحكام أدركوا أن للممارسة الخلقية المغربية توجها تداوليا تصير به أقدر من غيرها على التصدي للحكمة العرفانية وللتخلق الفرداني ، ففتحوا الطريق لعمل المغاربة الوافدين على مصر .
وقد تولى هؤلاء تنقية الممارسة الخلقية المصرية من أقوال الشطح وعبارات الرمز التي يأباها ظاهر الكتاب والسنة وتخالف ما أثر عن جمهور السلف الصالح ، كما تولوا تجريد النفوس من الميل إلى الاشتغال بالكيمياء الذي كان راسخا في البيئة المصرية ، وأورثوا تلامذتهم في مصر الدعوة إلى محاربة هذا الاشتغال ، فهذا أبو العباس المرسي أقرب التلاميذ إلى أبي الحسن الشاذلي يتبرأ من الكيمياء ويجعل الكرامات تعلوها درجات في قلب الأعيان وطي الأزمان « 26 » .
هامش
( 24 ) فقد اشتهر ذو النون بممارسة الكيمياء كما اشتهر تلامذته بذلك ، ولعل هذه الممارسة هي التي جنت على ذي النون ، فتسبّبت له في دخول السجن ببغداد في عهد الخليفة المتوكل .
( 25 ) لقد كفّر بعض علماء المغرب عبد الحق بن سبعين وقضوا بنفيه .
( 26 ) قال المرسي : " ما أصنع بالكيمياء ، واللّه لقد صحبت أقواما ما يصير أحدهم على الشجرة اليابسة ، فيشير إليها ، فتثمر للوقت ، فمن صحب هؤلاء الرجال ، ما ذا يصنع بالكيمياء " ، أبو الوفاء التفتازاتي ، ابن عطاء اللّه ، ص . 101 .