المغربي على صفات تؤهله لسد حاجات المجتمع المصري من التجديد الأخلاقي ؛ وقد ذكرنا أن هذه الخصائص ثلاث هي : البعد عن التجزيء والبعد عن التجريد والبعد عن التسييس ، جاعلة من العطاء المغربي عطاء تكامليا تداوليا تأنيسيا ؛ ثم بينا كيف أن الخاصية التكاملية لهذا العطاء أفادت في محو التنافر بين التفقه والتخلق وإغناء مفهوم الجهاد في المجتمع المصري ، وأيضا كيف أن الخاصية التداولية لهذا العطاء أفادت في محو آثار الحكمة العرفانية - إشراقا وأسرارا - وآثار التخلق الفرداني في هذا المجتمع ، وأخيرا كيف أن الخصوصية التأنيسية للعطاء المغربي أفادت في إيقاف الحملات التبشيرية وإيقاف تأثير المذهب الفاطمي فيه .
وهكذا ، نكون قد دللنا على الدعوى التي قلنا بها وهي أن العطاء المغربي الذي غلب على المصريين الاستمداد منه تعلق أساسا بالعمل الخلقي الذي تميز به المغاربة .
وإذا ثبتت هذه الدعوى ترتبت عليها النتائج التالية :
أ . أن أهل المغرب أمدوا المصريين بأفضل ما يميز الثقافة الإسلامية ما دام الإسلام هو عبارة عن مكارم الأخلاق .
ب . أنهم أمدوا مصر بأخص ما يميز الثقافة الإنسانية ما دامت " الأخلاقية " هي المقوم الذاتي للإنسان ، وليست ، كما يظن منذ أرسطو ، " العقلانية المجردة " .
ج . أن أصالة العطاء المغربي يجب أن تطلب في المنجزات الأخلاقية أكثر مما تطلب في سواها من المجالات الثقافية الأخرى ، ما دام عطاء المغرب هو أبرز في جانب الأخلاق منه في أي جانب آخر .
د . أن العطاء المغربي يحصل إحياؤه ويسهل استئنافه متى وقع تجديد الصلة بهذا الأصل الأخلاقي من أصول الثقافة المغربية ، ما دامت أسباب الإبداع متوفرة في المجال الأخلاقي أكثر مما هي متوفرة في غيره من مجالات الثقافة المغربية .
سؤال الأخلاق مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية — صفحة 221
مساهمون: طه عبد الرحمن
ص٢٢١