تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سؤال الأخلاق مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية — صفحة 216

مساهمون:

ص٢١٦
الخطاب الأخلاقي لفرض دعوتهم وترسيخ حكمهم ، حتى حامت حول كل أخلاقي شبهات الانتماء إليهم ، ولا سيما أن ما ظهر في كلام الأخلاقيين من معان يشبه بعضه - وإن قلّ - عقائد أهل التشيع . والثاني ، أن وسائل القتال الرسمية ( من استعدادات مادية وجيوش نظامية ) لم تكن على وئام مع أساليب الجهاد الروحية ، هذا الوئام الضروري لمواجهة الأخطار التي تحدق بالمسلمين في مصر بسبب هجوم المغول والتتار والصليبيين والمبشرين « 22 » . فاحتاج الحكام الجدد في مصر إلى إزالة هذين المظهرين التجزيئيين : التفرقة بين الفقهاء والأخلاقيين والتفرقة بين المقاتلين والمجاهدين ، مع العلم أنه لا سبيل إلى ذلك إلا بالجمع بين التفقه والتخلق والجمع بين الجهاد والمجاهدة في الممارسة ، فتبينوا أنه لا يصلح لهذه المهمة إلا من تحقق بالتوجه التكاملي الصحيح . ويبدو أن التجربة المرابطية المغربية التي جمعت بين الجهاد والمجاهدة كانت حاضرة في ذهن الأيوبيين ، كما كان بين أيديهم حكم أبي بكر الطرطوشي على سيرة المغاربة ؛ فهذا الفقيه الأندلسي السلفي الذي نال حظا وافرا من التربية الروحية زار المغرب وأخذ عن علمائه بفاس واطلع عن كثب على العمل الخلقي المغربي لينتهي به المطاف إلى الاستقرار بالإسكندرية حيث تعاطى للتأليف والتدريس ، فقد كان حكم هذا العالم على أهل المغرب - وهو الذي ألف كتابا في البدع - هو أنهم لا زالوا ظاهرين على الحق بما هم عليه من التمسك بالسنة والجماعة وطهارتهم من البدع والإحداث في الدين « 23 » . وبدا لهؤلاء الحكام أن للتجربة الخلقية المغربية توجها تكامليا صريحا ، يجعلها تستجيب أكثر من غيرها لغرضهم في توثيق الصلة بين التفقه والتخلق والصلة بين الجانب الروحي والجانب المادي من الجهاد . ولما فتح باب العمل للمربين المغاربة ، تولوا تحقيق الوصل بين التفقه والتخلق عند تلامذتهم من المصريين ، مبطلين عمليا الدعوى الإسماعيلية القائلة باستقلال
هامش
- وسيلة في يد الخصوم للتضييق على كل أخلاقي وافد أخذ صيته ينتشر بين الجمهور ؛ فقد رمي بهذه التهمة أحمد البدوي وأبي الحسن الشاذلي . ( 22 ) عاشور ، سعيد عبد الفتاح : السيد أحمد البدوي ، شيخ وطريقة ، ص . 35 ( 23 ) ابن الزيات ، المصدر السابق ص . 32 .