أساتذته هرمز الذي اشتهر بالبكاء وابن المنكدر الذي عرف بالزهد ، وجعفر الصادق الذي اشتهر بالمحبة ، كما تتلمذ عليه رجال نالوا قدم السبق في الظهور بأوصاف الإحسان ، ومنهم سفيان الثوري وأبو الحسن الشيباني .
وحسبنا هذه العناية بالأركان الأخلاقية : " العمل " و " الصحبة " و " التعظيم " و " الإحسان " دليلا على أن المالكية حملت بذور ممارسة روحية سرعان ما أثمرت عند المغاربة ، بمجرد تشبعهم بمنطق هذا المذهب ، تخلّقا اختصوا به وصاروا فيه قدوة لغيرهم ؛ ولا عجب إذ ذاك أن يتكاثر بين فقهاء المالكية أهل العبادة وأهل الزهادة وأهل الورع وأهل التقوى حتى إن " لفظ الصوفي " « 19 » أطلق عليهم إطلاقه على أهله المختصين به لاعتبار أساسي وهو كونهم يقصدون بفقههم وجه الله تعالى ، وحتى إن ذكر الفقهاء في كتب التراجم والطبقات صار لا ينفصل عن ذكر المتعبدين والزاهدين « 20 » .
بعد أن أنهينا الكلام عن الخصائص التي تميز العمل الخلقي المغربي في القرنين السادس والسابع على الخصوص والتي تجعل منه تخلقا تكامليا تداوليا تأنيسيا ، نمضي إلى بيان كيف أن هذه الخصائص تخدم أغراض التجديد الخلقي الذي ينشده المجتمع المصري في هذه الفترة ؛ ولا سبيل إلى قيام العمل الخلقي المغربي بهذه الخدمة المطلوبة إلا إذا كان وصفه التكاملي يفيد في محو مظاهر تجزيئية لحقت بهذا المجتمع ، ووصفه التداولي ينفع في محو جوانب تجريدية عرضت له ، ووصفه التأنيسي يفيد في محو مظاهر تسييسية طرأت عليه .
3 - آثار العمل الخلقي المغربي في التجدد الأخلاقي المصري
3 . 1 . الخاصية التكاملية للعمل الخلقي المغربي ومحو المظاهر التجزيئية في المجتمع المصري
لقد أشرفت مصر على هذه الفترة وهي تعاني من المظهرين التجزيئيين التاليين :
أحدهما ، أن الفقهاء السنيين لم يكونوا على وئام مع رجال الأخلاق المحلّيين لما نسب إلى هؤلاء من مخالطة الإسماعلية « 21 » ؛ فقد استخدم الفاطميون ستار
هامش
( 19 ) ابن الزيات ، المصدر السابق ، ص . 34 .
( 20 ) المالكي : رياض النفوس .
( 21 ) ابن خلدون : المقدمة ، ص . 473 ؛ وقد شاعت تهمة مخالطة الإسماعيلية إلى غاية أن صارت -