وقد ساعد إنشاء المراكز لتجمع التلامذة من مدارس و " خوانق " هؤلاء المجددين على ترتيب الأعمال الجماعية لهم وتوظيف الوظائف المشتركة عليهم ، فكانت هذه الأعمال والوظائف تجمع أفرادا من مختلف الطبقات ، فمنهم العالم والأمي والكبير والصغير والغني والفقير ومنهم الوجيه وغير الوجيه والشريف وغير الشريف ، فجعلت الجميع ينتفع بالجميع ، فقويت بذلك بينهم أواصر الخدمة وكثرت فيهم الأسباب لإنهاض الهمة .
ولا نستغرب إذ ذاك أن يجد ابن عربي وابن سبعين من بعده في مصر بيئة أخذ يشكلها التخلق التداولي الجماعي المغربي تشكيلا لم يلبثا أن ضاقا به أو لم يلبث أن ضيق عليهما حتى اضطرا إلى النزوح عن هذا البلد كما نزحا عن المغرب من قبل ليستقر الأول بالشام والثاني بالحجاز « 27 » .
3 . 3 . الخاصية التأنيسية للعمل الخلقي المغربي ومحو المظاهر التسييسية في المجتمع المصري
لقد تولى الأيوبيون الحكم في مصر ، فوجدوا أنفسهم في مواجهة المظهرين التسييسيين التاليين :
أحدهما ، أنهم ، وإن كسروا شوكة الصليبيين ، لم يتمكنوا من إيقاف الحملات التبشيرية في بعض المراكز من أرض الكناية .
والثاني ، أنهم ، وإن أنهوا الحكم السياسي للفاطميين بخلع آخر خليفة منهم ، لم يتمكنوا من إيقاف تأثير المذهب الفاطمي في النفوس .
فاحتاج الحكام الجدد إلى القضاء على هذين المظهرين التسييسيين : التبشير المسيحي والتشيع الفاطمي ، علما بأنه لا سبيل إلى ذلك إلا بدعوة إنسانية روحية ، وتبينوا أن هذه المهمة لا ينهض بها إلا من تحقق بالتوجه التأنيسي الصحيح ، حتى لا تستهويه الميول السياسية ولا تراوده الأطماع الرئاسية ، فينازعهم سلطانهم ويقاسمهم نفوذهم .
ولا شك أن مثال الإسكندرية كان نصب أعينهم ، وهم يسعون إلى إيجاد وسائل هذا التجديد الإنساني الروحي ؛ فقد ظلت هذه المدينة سنية تعمل بالمذهب المالكي على عهد الفاطميين ، وتتّخذ محط رحال المغاربة في ذهابهم إلى الحج
هامش
( 27 ) فقد ضايق قطر الدين القسطلاني عبد الحق بن سبعين كما أن ابن عربي تعرض لمحاولة اغتيال .