وإيابهم منه ، فكان واضحا أن محافظة الإسكندرية على طابعها السني واتجاهها المالكي يرجع الفضل فيه إلى هؤلاء المغاربة الذي اجتمعت لهم خبرتان تاريخيتان :
إحداهما ، خبرة مواجهة الحكم العبيدي أثناء قيامه ببلاد المغرب قبل أن يحوّل وجهه إلى مصر ؛ والثانية ، خبرة مواجهة الدعوات المنحرفة والحملات التنصيرية التي ظل يتعرض لها الغرب الإسلامي « 28 » .
والغالب على الظن أن هؤلاء الحكام علموا أن للعمل المغربي توجها تأنيسيا صريحا يصير به أقدر من غيره على الوقوف في مواجهة التبشير المسيحي والتشيع الفاطمي ، فاستقبلوا رجال الأخلاق المغاربة في أرضهم ومكنوا لهم المقام فيها .
وقد استطاع هؤلاء الأخلاقيون الوافدون أن يتصدوا للدعوات التبشيرية التي كان يقوم بها الدعاة المسيحيون في المناطق القريبة من المراكز التي احتلها الصليبيون أو في المناطق النائية من الصعيد ؛ فقد تولى الأستاذ أحمد بدوي في طنطا والأستاذ عبد الرحيم القنائي في منطقة قنا تجديد الإيمان في قلوب من أضلتهم هذه الدعوات التنصيرية « 29 » ، وأشرفوا على تكوين ثلة من الرجال انتشروا في البلاد يردون الناس إلى أصول الدين الحنيف ، فهذا أبو الحجاج الأقصري تلميذ عبد الرحيم القنائي يعيد أهل الأقصر إلى الإسلام بعد أن انسلخوا عنه لسنوات عدة « 30 » .
كما اجتهد هؤلاء المجددون في أن ينزعوا من قلوب عامة المصريين الآثار العقدية التي تركها في نفوسهم المذهب الفاطمي ويزرعوا بدلها محبة المذهب السني ويرسخوا العمل بالفقه المالكي بين بعضهم ، مزاوجين بين أساليب التربية الروحية التي ترتكز على الأوراد والأذكار والأحزاب وبين أساليب الوعظ والتدريس التي ترتكز على الفهم والحفظ .
وحاصل الكلام في هذا الفصل أن تنقّل أرباب السلوك المغاربة إلى مصر في القرنين السادس والسابع كان تنقلا مطلوبا باعتبار توجه أنظار المسلمين عامة والمصريين منهم خاصة إليه في هذه الفترة ، وكان تنقلا مأذونا باعتبار شعور المغاربة بواجبهم نحو المسلمين عامة والمصريين منه خاصة ، كل ذلك لحصول هذا العمل
هامش
( 28 ) أبو لبابة : موقف متصوفة إفريقية وزهادها .
( 29 ) عزام ، صلاح : السيد عبد الرحيم القنائي ، ص . 71 .
( 30 ) نفس المصدر ، ص . 69 - 70 .