تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سؤال الأخلاق مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية — صفحة 213

مساهمون:

ص٢١٣
تطلب النفوذ السياسي لطائفة معينة ، أو الدعوات التي تطمع في المكاسب المادية ، إلا أن تكون قد دخلت على بعضها آفة التحريف ، فتبدلت أحوالها أو دخلت عليها آفة الادعاء ، فانتحلها بعض الأدعياء . والصواب أن الدعوة الأخلاقية ، كما مارسها المؤسسون من أهل العمل المغاربة ، لا تبتغي بالتجديد الخلقي للإنسان بديلا ؛ ولا سبيل لتجديد الإنسانية إلا إذا قام الداعية بشرط الإخلاص لله في دعوته ، وقام المدعو بشرط تسليم الإرادة لله ؛ وقد سمّي هذا التجديد الإنساني باسم " الصلاح " وسمي أصحابه باسم " الصلحاء " أو " الصالحين " ، كما أطلق عليهم اسم " الأفاضل " واسم " أهل الفضل والدين " « 16 » ، علما بأن قيم الإنسانية مستمدة من قيم الدين ؛ وعليه ، فإن دعوة أهل الصلاح ليست نزعة طائفية ، ولا دعاية مادية ، وإنما هي دعوة إنسانية أخلاقية . 3 . 2 . 3 . المدلول المعنوي للنسب : من الثابت أن للنسب أهمية في التجربة الخلقية المغربية تزايدت مع مرور الزمن حتى ظنّ بأن الولاية الكبرى والفتوحات العظمى لا تحصل إلا لمن كان من أهل النسب الشريف ؛ والغالب عند الأخلاقيين المغاربة أن يرفعوا نسب أساتذتهم إلى سيدنا الحسن بن علي ، على خلاف الأخلاقيين في المشرق الذين غلب عليهم نسبة أساتذتهم إلى أخيه سيدنا الحسين بن علي « 17 » ؛ وسواء صح هذا النسب أو لم يصح ، فإن دلالته تظل بالأساس دلالة معنوية ، فلما كان سيدنا الحسن قد نزل لمعاوية عن الخلافة ، دل الانتساب إليه على إرادة الزهد في السلطة السياسية ، وإذا حدث لأحد الأخلاقيين المغاربة أن تولى السلطة السياسية - مضيّقة أو موسّعة - لتعذر من يقوم مقامه فيها ، فإن توليته لها تكون بالعرض وبالتبعية للسلطة الأخلاقية التي اختص بها وليس بالجوهر وبالأصالة كما هو الشأن عند المنتسبين لسيدنا الحسين . وعلى الجملة ، فإن العمل الخلقي المغربي ينأى عن منحنى التسييس ويتجه اتجاها تأنيسيا متميزا يجعل للجهاد بعدا روحيا وللدعوة بعدا إنسانيا وللنسب بعدا معنويا . وإذ قد عرفت أن العمل الخلقي المغربي يمتاز بالخصائص الثلاث : البعد عن التجزيء - أو قل طلب التكامل - والبعد عن التجريد - أو قل طلب التداول - والبعد عن
هامش
( 16 ) ابن الزيات ، المصدر السابق ، ص . 270 ، 271 ، 300 ، 344 ، 377 . ( 17 ) حسين صافي ، الأدب الصوفي ، ص . 146 .