تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سؤال الأخلاق مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية — صفحة 214

مساهمون:

ص٢١٤
التسييس - أو قل طلب التأنيس - فاعرف أن السبب في ذلك هو تمكّن المذهب المالكي من نفوس المغاربة حتى ولّد فيهم نزوعا إلى الممارسة الروحية بحكم منطقه وملابسات نشأته ، ويقوم هذا المنطق إجمالا على عنصرين هما : " العمل " و " الصحبة " ، بينما تقوم ملابسات هذه النشأة على عنصرين هما : " التعظيم " و " الإحسان " . أما العمل ، فالمالكية من دون المذاهب الفقهية الأخرى أقرت عمل المدينة مصدرا من مصادر التشريع الإسلامي ، وفي هذا ما ينهض دليلا على أن المالكية تبينت حقّا ما لمشاهدة السلوك الحي من أثر في تحقيق التدين الصحيح ، على أن مصادر التشريع التي اعتمدتها تنقسم إلى قسمين : القسم النظري ويشمل الكتاب والسنة والقياس ، والقسم العملي ويشمل الإجماع والعمل ، مما يترتب عليه أن التفقه في الدين لا يتم إلا بحصول الجمع بين الممارستين : الاستدلالية والاشتغالية ، وما زالت مسألة العمل في المالكية مفتقرة إلى تناولها في سياق مستجدات البحث في مجال نظرية الممارسة . وأما الصحبة « 18 » ، فهي مبدأ لازم من أصل العمل الذي تقول به المالكية ، ذلك أن الصحبة عبارة عن المشاهدة الحية للأسباب والقرائن التي ترافق أعمال المصحوب ، أقوالا وأفعالا ، والتي يحصل بها العلم بالمراد على وجه من التحقيق لا يتأتى بطريق آخر ، فلا عمل حي إذن إلا بتمام الصحبة ؛ لذا ، فقد كان من تلامذة مالك المغاربة من يبقى على ملازمته ردحا من الزمن بعد تمام تعلّمه وفراغ تكوينه النظري عملا بمبدإ الصحبة ، حتى يرث عنه أخلاقه وأحواله . وأما التعظيم ، فإن مالك ، رحمه اللّه ، كان يظهر - قولا وفعلا - من آداب تعظيم الرسول عليه السّلام وفروض محبته ما يجعل حديثه وسلوكه ينقلان إلى تلامذته وجلسائه أخبار الرسول عليه السّلام حية وكأن معانيها رأي العين ، فتحيا قلوبهم بأسرارها وتنقاد جوارحهم إلى العمل بها ؛ وقد ورث عنه فقهاء المالكية المغاربة هذا التعظيم ونشروا آدابه نشرا بين طبقات المجتمع . وأما الإحسان ، فإن مالك صحب علماء عاملين بلغوا النهاية في صفات خلقية اختص الأخلاقيون بطلبها ، وهي : " أخلاق الإحسان " أو " الفضائل الروحية " ؛ فمن
هامش
( 18 ) فقد صحب مالك رضي اللّه عنه نافعا مولى عبد اللّه بن عمر ، حتى كانت أصح أسانيد مالك عن نافع عن ابن عمر .
سؤال الأخلاق مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية — صفحة 214 | طه عبد الرحمن