الكيميائي يطلب أسبابا باطلة لقلب الأعيان ؛ وأما الإيقاع في صريح الفساد ، فلأن هذه الصنعة تحمل على ممارسة الغش والتدليس ، فكان أن نهى الأخلاقيون المغاربة عن الاشتغال بها وحذروا أتباعهم منها أشد تحذير ، ولا سيما أن بعض أخلاقيي عدوة الأندلس تأثروا بهذا الاتجاه الإشراقي الكيميائي .
وعلى الجملة ، فإن العمل الخلقي المغربي ينأى عن منحى التجريد الذي وقع فيه فقهاء الفروع وأهل الكلام وأهل العرفان واتجه اتجاها تداوليا في ممارسة التعبد والعقيدة والمعرفة ، اتجاها يجعلها طبيعية لا تكلّف فيها ويسيرة لا تعقّد معها .
2 . 3 . البعد عن التسييس أو الخاصية التأنيسية
ويظهر البعد عن التسييس في العمل الخلقي المغربي في أصناف المدلولات الثلاثة الآتية وهي : " المدلول الروحي للجهاد " و " المدلول الإنساني للدعوة " و " المدلول المعنوي للنسب " .
3 . 2 . 1 . المدلول الروحي للجهاد : تجدر الإشارة إلى أن لفظ " الجهاد " من الألفاظ التي حرّفت معانيها ، فقد صرف هذا اللفظ عن مقصوده بوجهين :
أحدهما ، أن الجهاد صار يحمل على معنى القتال من أجل التسلط العسكري وبسط النفوذ السياسي .
والثاني ، أن الجهاد صار يدل على معنى القتال من أجل القهر الديني وبسط النفوذ العقدي .
أما مدلول الجهاد كما أخذ به رجال الأخلاق المغاربة ، فلا تعلّق له أصلا بطلب الرئاسة الدنيوية ، لأن هذا يناقض مقاصد التربية الروحية ، كما لا تعلق له بالتشدد العقدي ، لأن هذا يناقض وسائل هذه التربية ، وإنما تعلقه بمجاهدة النفس وحدها ببذلها رخيصة في سبيل الدفاع عن حوزة الإسلام كما استرخصت في سبيل الخروج عما سوى اللّه ؛ وعلى هذا ، فإن الجهاد بالمعنى المغربي ليس عملا سياسيا ولا سلوكا إيديولوجيا ، وإنما عملا روحيا بالأصالة .
3 . 2 . 2 . المدلول الإنساني للدعوة : ليس من شك أن للدعوة دورا بالغ الأهمية في الممارسة الخلقية المغربية ، فقد شمل مجالها البوادي والحواضر بعد أن ابتدأ محصورا في الأصقاع البعيدة عن العمران ، إلا أنها لا تشبه في شيء الدعوات التي
هامش
- المنهاج الواضح ، ص . 261 ، 266 وص . 334 ، 335 .