تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سؤال الأخلاق مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية — صفحة 211

مساهمون:

ص٢١١
الأخلاقيين « 13 » من الأقوال التي تشعر باقتباس أساليب المتكلمين والمشاركة في قضاياهم ؛ والشاهد على ذلك المناظرة التي دارت بين أبي شعيب السارية وواسنار - أحد قواد الموحدين - في مجلس عقده الأمير عبد المؤمن بن علي ، فكان واسنار يسأل أبا شعيب عن عقيدة التوحيد ، قاصدا الأوصاف التجريدية التي كان يبثها المهدي بن تومرت في الناس ، ويجيبه أبو شعيب بذكر الآيات القرآنية التي وردت فيها معاني التوحيد . 2 . 2 . 3 . النفور من الحكمة العرفانية : لقد تسربت إلى الممارسة الخلقية بمقتضى التطور والاستمداد من البيئة بعض التوجهات الفكرية والعلمية التي لا يمكن إلا أن يضيق بها أخلاقيو المغرب ، إذ يعدونها بمنزلة آفات سلوكية ينبغي صون النفس عنها ، من هذه التوجهات نخص بالذكر اثنين هما : " الإشراق " و " الكمياء " . استقر عند الأخلاقيين المغاربة أن الإشراق مستمد من النظر الفلسفي الذي يأخذ بمبدأين : " مبدأ إطلاق العقل " و " مبدأ امتياز الفرد " ؛ أما مبدأ إطلاق العقل ، فيعارض توجههم السني ، لأن العقل إذا لم يقيّد مسلكه اعتبار الشرع صار عرضة للأهواء ؛ وأما مبدأ امتياز الفرد ، فيعارض توجههم الجماعي ، لأن الفرد إذا لم يقيد أفقه اعتبار الجماعة صار ضرره يغلب على نفعه . كما استقر عندهم أيضا أن الكيمياء مستمدة من الطمع الدنيوي الذي يخالف شاهد العقل « 14 » ، ويوقع في صريح الفساد « 15 » ؛ أما مخالفة شاهد العقل ، فلأن
هامش
( 13 ) يأتي على رأس هذه الكتب كتاب إحياء علوم الدين للغزالي الذي أثار الضجة المعلومة وافترق الناس بشأنه بين منتقد ومعتقد حتى غلب أهل الانتقاد ، فصدر أمر علي بن يوسف المرابطي بإحراقه ؛ وقد كان من المنتقدين بعض كبار الأخلاقيين المغاربة من أمثال أبي الحسن بن حرزهم ، ووقفته ضد الإحياء معروفة ، إذ كان يقوم على إحراق أجزاء منه ، حتى رأى رؤيا يشكوه فيها الغزالي إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فقضى الرسول بضربه بالسوط . ( 14 ) قال الشاذلي : " كنت في ابتداء أمري أطلب عمل الكيمياء وأسأل اللّه فيها ، فقيل لي : " الكيمياء تجدها في بولك ، اجعل فيه ما شئت يعود كما شئت " ، فحميت فأسا فطفيته فيه فعادت ذهبا ، فرجعت إلى شاهد عقلي ، فقلت : " يا ربي ، سألتك عن شيء فلم أصل إليه إلا بمحاولة النجاسة " ، فقيل لي : " يا علي ، الدنيا قذرة ، فإن أردت القذارة ، فلا تصل إليها إلا بالقذارة " ، فقلت : " يا رب أقلني منها " ، فقيل لي : " احم الفأس يعود كما كان في أصله " ، الصومعي ، المعزى في مناقب أبي يعزى ، تحقيق علي الجاوي ، رسالة دبلوم الدراسات العليا مرقونة بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط ، 1989 . ( 15 ) قال أبو محمد صالح : " اتركوا الاشتغال بصنعة الكيمياء لأنها توقع في الغش والتدليس " ، -