والثاني ، أن أغلبهم كانوا فقهاء أو محدّثين أو حملة للقرآن أو حفظة للمتون العلمية يشتغلون بالتدريس أو التحفيظ .
والثالث ، أنهم شاركوا الفقهاء فيما هم فيه من القيام على أداء الأعمال الظاهرة ، بل نافسوهم في ذلك حتى قاموا بما وقف دونه الفقهاء ؛ فقد استنبطوا الوسائل التي تعين على نشر العقيدة الإسلامية وعلى ترسيخها في النفوس وعلى إقدار العامة على أداء شعائرهم وفرائضهم ، إذ انتقلوا إلى البوادي والأصقاع النائية يعلّمون الناس أمور دينهم ، مقرّين لأنماط من التعبد كالذكر الجماعي وقراءة القرآن الجماعية ، حتى يسمعوا الغافل ويجلبوا العابر وييسروا الحفظ على الأمي ، كما عملوا على رفع الموانع التي جعلت الفقهاء يفتون بإسقاط فريضة الحج عن المغاربة ، فأمّنوا الطرقات ونظموا الرحلات وأنشأوا المحطات ، موفّرين للحجاج السّلام والزاد والراحة « 10 » .
2 . 1 . 2 . الجمع بين التجرد والتسبب : اعلم أن التجرد عند الأخلاقيين تجردان :
" تجرد عن الحظوظ أو المصالح " و " تجرد عن الأسباب أو الوسائل " ، وكثيرا ما اختلط على الناظرين في التراث ا المغربي أمرهما ، فحملوا أحدهما على الآخر ؛ والصواب أن العمل الخلقي المغربي وقف التقدم السلوكي للتلميذ على ترك الحظوظ أو المصالح ، حتى يتحقق بإفراد اللّه بالقصد في الأعمال ، وامتاز بالتحذير من ترك الأسباب والنهي عنه ؛ وقد دخل أكابر رجالهم في طلب الأسباب واتخذوا من وسائل العيش ما يدفع عنهم الحاجة إلى الخلق ، فمارسوا التدريس والتجارة والزراعة وكرهوا " المتعطلين " من تلامذتهم ، ونصحوهم باتخاذ الحرف وبالبعد عن السؤال وعن انتظار عول العائلين .
لكن ، لشدّ ما كانوا يحرصون على أن يكون تعاطي هؤلاء التلامذة للأسباب قائما بشرط الخروج عن التعلق بها ، حتى يدركوا أن تسبّبهم ليس هو الذي يوصلهم إلى تحقيق طلبهم من الرزق ، وإنما الذي يوصلهم إلى ذلك هو الرزاق ذو القوة المتين ، فيكونون في ذات الوقت متسببين ومتجردين .
2 . 1 . 3 . الجمع بين المجاهدة والجهاد : تدل على هذا الجمع الثالث المظاهر الآتية :
أولها ، إنشاء مراكز للمرابطة بعيدة عن العمران تسمح بالانقطاع لأعمال العبادة
هامش
( 10 ) لا يخفى ما قام به أبو محمد صالح دفين آسفي وذريته من أعمال جليلة لتأمين الطريق للحجّاج المغاربة .