صرف لا تنفع في تحليلها أساليب تتسم بالانغلاق على المادة ولا في تفسيرها أسباب تتصف بالجمود على الظاهر .
لذا ، نذهب إلى أن هذا الجانب المعنوي أبلغ في الدلالة على علة الانتقال إلى مصر من الجانب الحسي الذي هو الطلب الموجّه إلى المغاربة ، لأن الذي استهلكت نشاطه الروحانيات لا يلوى على شيء من الحس إلا أن يكون خادما لهذه الروحانيات ؛ ولولا الشعور بالإذن في التحرك ، لما أتى هذا التحرك بالثمار المطلوبة منه ، ألا ترى كيف أن التحول الأخلاقي الذي أحدثه المربون المغاربة في سلوك المصريين في تلك الفترة ما زالت آثاره تشيع حتى الآن في أوساطهم روحانية قدسية !
إذا صحّ تعليلنا لتنقل أهل الأخلاق المغاربة إلى الديار المصرية ، وهو أنهم طلبوا ( بضم الطاء ) فأذن ( بضم الهمزة ) لهم ، صحّت معه أيضا الحقيقتان التاليتان :
إحداهما ، أن العمل الخلقي المغربي يتصف بأوصاف لا يشاركه فيها غيره .
والثانية ، أن هذه الأوصاف الخاصة للعمل الخلقي المغربي تفيد في تحقيق جوانب التجديد الخلقي التي شعر المجتمع المصري بالحاجة إليها يومذاك .
فلنمض الآن إلى بيان خصائص العمل الخلقي الذي نهض به المغاربة ، ثم ننعطف على بيان الوجوه التي أفادت بها هذه الخصائص المجتمع المصري آنذاك في إنجاز مراده من الإصلاح الخلقي .
2 - خصائص العمل الخلقي المغربي
إن الذي يتأمل في الممارسة الخلقية المغربية في القرنين السادس والسابع لا يلبث أن يتبين أنها تتصف بخصائص أساسية ثلاث هي : " البعد عن التجزيء " و " البعد عن التجريد " و " البعد عن التسييس " .
2 . 1 . البعد عن التجزيء أو الخاصية التكاملية
يظهر البعد عن التجزيء في العمل الخلقي المغربي في أصناف الجمع الثلاثة التالية ، وهي : " الجمع بين التخلق والتفقه " و " الجمع بين التجرد والتسبب " و " الجمع بين المجاهدة والجهاد " .
2 . 1 . 1 . الجمع بين التخلق والتفقه ، تدل على هذا الجمع الأمور الثلاثة الآتية :
أحدها ، أن الأخلاقيين المغاربة أخذوا الفقه في معناه الأصلي الواسع وهو موافقة أحكام الشريعة ظاهرا وباطنا ، بحيث تكون الأعمال الظاهرة متوقفة في صحتها على الأعمال الباطنة توقف المشروط في صحته على الشرط .