جانب من الصواب ، وقد يشترك بعضها مع بعض أو قد تجتمع كلها لتحصيل هذا الصواب بعضا أو كلا ؛ لكن يبقى أن هذه الافتراضات تتعلق بتعليل عموم إقامة الأخلاقيين المغاربة بمصر ، بينما نحتاج إلى تعليل ظاهرة تقلبات هذه الإقامة ، زيادة ونقصانا ، عبر فترات التواصل بين البلدين : المغرب ومصر .
فنحن نعلم أن الوافدين على مصر من الأخلاقيين المغاربة ارتفع عددهم ارتفاعا في الحقبة الممتدة بين أواخر القرن السادس وأواخر القرن السابع الهجري ، وهي بالذات الفترة التي ازدهر بها العمل الخلقي بالقطر المصري واتسعت حركته اتساعا ؛ ومن هؤلاء الوافدين المغاربة : الأستاذ عبد الرازق الجزولي والأستاذ عبد الرحيم القنائي والأستاذ أبو الحسن الشاذلي والأستاذ أحمد البدوي .
أما عبد الرازق الجزولي ، فأصله من المصامدة ، أخذ تخلّقه عن أبي مدين الغوث واستقر بالإسكندرية وبها مات سنة 592 ه أو سنة 596 ه على بعض الأقوال .
أما عبد الرحيم القنائي ، فأصله من ترغاي من قبيلة غمارة بإقليم سبتة ؛ ولد سنة 521 ه وتتلمذ على يد أبي يعزى ، ثم انتقل إلى الحجاز حيث أقام بها مجاورا تسع سنين ومنه تحول إلى صعيد مصر ، فاستقر بقنا ، منتصبا للتدريس والإرشاد حتى وفاته سنة 592 ه .
وأما أبو الحسن الشاذلي ، فتنسبه المصادر هو الآخر إلى قبيلة غمارة بإقليم سبتة ؛ ولد سنة 593 ه وأخذ تخلّقه عن عبد السّلام بن مشيش الذي وجهه إلى " إفريقية " ( أي تونس ) وأنبأه بالظهور في المشرق ، فكان أن استقر بالإسكندرية ، موجّها وهاديا إلى سبيل اللّه بكلامه " القريب العهد بالله " إلى أن وافته المنية في طريقه إلى الحج سنة 656 ه .
وأما أحمد البدوي ، فقد ولد بفاس سنة 596 ه وتتلمذ على يد الأستاذ عبد الجليل النيسابوري ، ثم انتقل إلى المشرق متجولا فيه حتى انتهى به المطاف إلى الاستقرار بطنطا في شمال مصر ، متصدرا للتربية والدعوة إلى اللّه .
قد يقول القائل بأن علة توافد أرباب التربية على مصر في هذه الفترة هو أنهم وجدوا أسباب العيش الآمن في ظل دولة الأيوبيين ودولة المماليك اللتين صارتا رمزا للقوة الإسلامية القادرة على قهر جحافل الغزاة من التتار والصليبيين ؛ ولا يمكن أن يصح هذا القول ، لأن الفتن كانت منتشرة في هذه الفترة والتنازع على السلطة كان ضاربا أطنابه بين الأيوبيين وبين المماليك ؛ والأرجح عندنا أن لهذا
سؤال الأخلاق مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية — صفحة 206
مساهمون: طه عبد الرحمن
ص٢٠٦