تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سؤال الأخلاق مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية — صفحة 207

مساهمون:

ص٢٠٧
التوافد علتين متكاملتين : إحداهما ، أنه كان تنقّلا مطلوبا : فإذا كانت مصر في هذه الفترة تسوسها دولة ذات قوة ومنعة ، فإن المغرب كانت تسوسه دولة لا تقل عنها ظهورا بالسلطان ؛ فقد أدرك هذا البلد آنذاك من البأس والمجد ما لم يدركه مذ كان دولة مستقلة ، حتى سارعت الدولة الأيوبية إلى الاستنجاد به ، طالبة منه قطعا من أسطوله لمنازلة المواقع التي احتلها الصليبيون . وهكذا ، فقد كان المغرب مطلوبا للجهاد ، ولا يخفى أن من يطلب للجهاد هو ، عند الأخلاقيين المغاربة ، كمن يطلب للمجاهدة وهم الذين ألفوا واختاروا الإقامة بالرباطات التي عرفت بالنضال الروحي والمادي . وعلى هذا ، فلا يبعد أن يكون توجه المربين المغاربة إلى مصر امتدادا لتوجه المحاربين في أسطولهم إليها إن كان هذا التوجه العسكري قد تحقق أو يكون تعويضا عنه إن كان قد تعذر ، وذلك استجابة لنداء إخوانهم من المصريين حتى يقوموا بواجبهم في تجديد أخلاق الجمهور وإعداده لمنع الغزاة عن بلاده ؛ ولو أنهم لم يكونوا مطلوبين ، لما هبّ الأيوبيون ينشئون المدارس والخوانق ويجرون عليها الأرزاق ويوقفون الأوقاف ويسارعون بإسناد مهام التدريس والتربية إلى الوافدين عليهم ، فقد عينوا عبد الرحيم القنائي أستاذا للأخلاق في مدينة قنا ، وأسكنوا أبا الحسن الشاذلي برجا من أبراج الإسكندرية . والعلة الثانية ، أنه كان تنقلا مأذونا : لا يخفى أن الأخلاقيين المغاربة يأخذون في كل حركاتهم وسكناتهم بقيم روحية ومثل ربانية لا تجوّز لهم ترك ترحالهم واستقرارهم تعبث بهما الأهواء العابرة وتعتورهما الأغراض الفانية ، وإنما تحملهم على أن ينزلوا ويرحلوا حيثما وجدوا دلائل الاستزادة من النفع والانتفاع بهذه المعاني الخلقية ، ووجدوا دلائل القيام بشروطها على الوجه الأكمل ، كما تحملهم على الاستعانة بإشارات أساتذتهم في التربية والتخرج حتى لا يفوتهم حسن الأدب والوفاء بحقوق الصحبة ؛ فقد أذن أبو مدين الغوث لعبد الرزاق الجزولي في الانتقال إلى مصر ، كما أشار به عبد السّلام بن مشيش على أبي الحسن الشاذلي . وقد جرى المؤرخون على عادة إسقاط مثل هذه الأسباب ، إذ يعدّونها من باب المزاعم أو الخواطر الذاتية التي لا تفيد كثيرا في التحليل التاريخي ؛ ولا يتسع المقام لتقويم هذا الموقف ، على شهرته بين الباحثين واعتقاد الجمهور في موضوعيته وعلميته ، وإنما حسبنا أن نقول بأن الحياة التي تبنى أدق جزئياتها على قيم روحية