تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سؤال الأخلاق مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية — صفحة 200

مساهمون:

ص٢٠٠

ضميمة الإسهام المغربي في التراث الإسلامي : كيف كان إسهاما أخلاقيا بحق ؟

لقد ظهرت في دراسات التراث العربي في النصف الثاني من القرن المنصرم بدع فكرية كثيرة ليس هذا محل الخوض فيها ، حسبنا منها البدعة المنكرة التي نشرها بعض الباحثين المغاربة والتي تقول بأن العطاء الفكري في الغرب الإسلامي تميّز بكونه عطاء عقلانيا برهانيا ، بينما ظل في المشرق العربي عطاء عرفانيا خياليا ، مع إنزاله البرهانية في مرتبة عليا والعرفانية في مرتبة دنيا ؛ وقد رددنا على هذه البدعة الشاذة في كتبنا السابقة « 1 » بما أظهر تهافتها وضررها ؛ وإذا نحن عدنا ، فذكرناها مرة أخرى في هذا الموضع ، فذلك لأسباب ثلاثة هي الآتية : أحدها ، أن العقلانية المجردة التي يرفعها هذا الباحث إلى أعلى المراتب ، لا تنزل عندنا إلا الرتبة الدنيا من رتب العقلانية ، إذ تعلوها ، على ما اتضح في الفصول السالفة ، رتبة العقلانية المسدّدة ومن فوقها رتبة العقلانية المؤيّدة ؛ لذلك ، نرى أن العقلانية المجرّدة لا تليق بأن تؤخذ في حد الإنسان ، مخالفين في هذا ما سار عليه الفلاسفة جميعا منذ " أرسطوطاليس " من عادة تعريف الإنسان بكونه حيوانا عاقلا مع حمل لفظ " العقل " على معنى " العقل المجرد " ؛ فالذي يفصل الإنسان عن الحيوان عندنا ليس هذا العقل ، لأن قدرا منه - قليلا أو كثيرا - موجود عند الحيوان هو الآخر ، لأنه امتداد للغريزة فيه ولأنه مادي مثلها بما أنه لا يتعدى إدراك المحسوس وما انتزع منه ، وإنما الذي يفصله عنه هو " الأخلاقية " ؛ فالحيوان لا يكون أبدا كائنا أخلاقيا ، فليس بمقدوره أن يدرك ما هو فوق عالم الواقع نحو عالم المثال ، وعالم المثال هو بالذات محل القيم التي بواسطة طلبها واتباعها يتوصّل إلى الأخلاقية ؛ وإذا كان الأمر كذلك ، وجب أن يميّز الإنسان عن الحيوان عقل تعلو
هامش
( 1 ) انظر على الخصوص كتابنا : تجديد المنهج في تقويم التراث .