لنظرائهم من المغاربة برسوخ القدم في التربية الخلقية والتزكية الروحية ، وقدّموهم على أنفسهم في إرشاد من يقصدهم ، طلبا للتخلق والتحقق بمكارم الأخلاق « 5 » .
وإذا كان الأمر كذلك ، أليس معنى هذا أن العطاء المغربي في باب التربية الدينية والخلقية كان وافرا ؟ ولعله كان أوفر في هذا الباب منه في أبواب الثقافة الإسلامية الأخرى ؛ ونريد بهذا الصدد أن ندعي دعوى ونشتغل بالتدليل عليها ، وهي :
* " أن العطاء المغربي الذي غلب على المصريين الاستمداد منه تعلّق أساسا بالعمل الخلقي الذي تميز به المغاربة الوافدون عليهم " .
ونحتاج في ذلك إلى بسط الكلام في الأغراض الثلاثة الآتية :
* أشكال وأسباب تنقل رجال الأخلاق المغاربة إلى مصر .
* خصائص العمل الخلقي المغربي .
* دور العمل الخلقي المغربي في مصر .
1 - تنقّل الأخلاقيين المغاربة إلى مصر
لقد ثبت بما لا يدع مجالا للشك أن العمل الخلقي المغربي انتقل إلى الديار المصرية ، لكن انتقاله إليها لم يكن بطرق نظرية تقوم على الرواية والكتابة ، وإنما بطرق عملية تقتضي التنقل إلى عين المكان والإقامة به .
لقد أخذ الأخلاقيون المغاربة - أساتذة وتلامذة - يفدون على أرض الكنانة في طريقهم إلى أداء فريضة الحج وزيارة قبر الرسول عليه السّلام ، وقد يختار بعضهم الإقامة بهذه الأرض المباركة ؛ وتذكر المصادر أن أشهر من أقام بها منهم في مطلع القرن الرابع أبو الخير الأقطع التيناتي ( ت 343 ) الذي كان أوحد عصره في التحقق بخلق التوكل ، ثم تفيض في سرد أسماء من جاء بعده في القرون الموالية إلى أن تذكر الوافدين منهم في القرن الرابع عشر الهجري ؛ وسوف يطول بنا المقال لو أردنا أن نذكر أشهرهم « 6 » ، على أن بعضهم سوف يستوقفنا عند تفصيل أدلتنا على دعوى
هامش
( 5 ) محمود عبد الحميد : قضية التصوف ، ص . 20 .
( 6 ) فيما يلي لائحة بأسماء بعضهم متسلسلة من القرن الرابع إلى القرن الرابع عشر الهجري ؛ في القرن الرابع : أبو الخير أقطع التيناني توفي سنة 340 ه ؛ وفي القرن السادس : القنائي وأبو يزيد يعلى من أصحاب أبي مدين توفي بالإسكندرية سنة 577 ه وأبو حفص عمر الجنان الذي -