تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سؤال الأخلاق مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية — صفحة 197

مساهمون:

ص١٩٧
ولنا في دعوة الرسول عليه السّلام خير مثال ؛ فقد كانت أمتان عظيمتان تعاصران هذه الدعوة ، أمّتان بلغتا من التقدم العلمي والتقني ما نسبته إلى حال عرب الأمس كنسبة التفوق العلمي والتقني للغرب إلى حال المسلمين اليوم ، وهما : الروم والفرس ؛ فلم يشتغل الرسول عليه السّلام بالدعوة إلى تقليد حضارة هاتين الأمتين العظيمتين وإلى استنساخ أنماطهما في العلم والصناعة ، وإنما جدد عقيدة العرب وصفّى سريرتهم وسوّى خلقهم ، حتى إذا استقامت لهم هذه المزايا من تجديد عقدي وتصفية قلبية وتسوية خلقية ، دعاهم إلى تحصيل العدة لمضاهاة الروم والفرس ، وذلك بالتزام شيء لا يملكه هؤلاء ، إذ لا يعلمون من أين يأتونه حتى يراقبوه ، ولا كيف يقدرونه حتى يطووه ، وهذا الشيء هو " المعية الإلهية " ، فالعدة لا تنفع إلا بالقدر الذي يحضر المسلم في استعمالها بقلبه مع اللّه عز وجل . وهكذا ، يتضح أن الخروج من تخلّف الأمس قام على شرطين أساسيين هما : ترسيخ الذات الإنسانية وتحصيل المعية الإلهية ؛ وإذا كان حال مسلمي اليوم لا يصلح إلا بما صلح به حال مسلمي الأمس ، فأين هم من هذين الشرطين ؟ فهل قاموا بمقتضيات ترسيخ الذات الإنسانية من تجديد للعقيدة وتطهير للسريرة وتقويم للسلوك ؟ وهل قاموا بمقتضيات المعية الإلهية ، من حضور مع اللّه في توجهاتهم التنموية ومن إخلاص لله في استعداداتهم الحركية ومن التوكل عليه في إنجازاتهم العملية ؟ ويطول بنا المقال لو ذهبنا نقوّم اليقظة الإسلامية الجديدة من هذه الجهات المختلفة ، وإنما حسبنا الإشارة إلى وصفين اثنين اتصفت بهما هذه اليقظة : أحدهما " القصور في تحقيق التخلق الضروري " ، والثاني " العدول عن لغة المعية الإلهية " . أ . القصور في تحصيل التخلّق المطلوب : يبدو أن اليقظة الإسلامية الجديدة سارعت إلى التحرك السياسي قبل أن تتمكن في التجدد الأخلاقي ؛ ولعل الحداثة الغربية هي التي حملتها على هذه المسارعة واستدرجتها إلى التغافل عن الجانب الخلقي ، ذلك لأن انشغالات هذه الحداثة لا تتعلق إلا بالقيم المادية للأشياء ، ولأن السياسة بمعناها الغربي ممارسة مادية يشوبها من الأهواء والشهوات ما يشوب الحظوظ والمصالح الحسية ؛ ومن يكون معرّضا لأن يزجّ به في المسار السياسي للحداثة الغربية - وهو مسار لا يعقل من القيم الروحية شيئا - فما أحقه بشدة التيقظ وصحة التبين ! ولا سبيل إلى هذا إلا بالرسوخ في التربية الخلقية حتى يتحقق