تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سؤال الأخلاق مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية — صفحة 201

مساهمون:

ص٢٠١
رتبته على رتبة العقل المجرد ، بحيث ينبغي أن يكون إما عقلا مسدّدا أو عقلا مؤيّدا ، نظرا لأن الأخلاقية لا توجد إلا حيث يوجد واحد من هذين العقلين الآخرين ؛ وعلى هذا ، فالإنسان ، على وجه العموم ، هو الحي العاقل بعقل مسدّد ، والإنسان الكامل ، على وجه الخصوص ، هو الحي العاقل بعقل مؤيّد . والسبب الثاني ، أن العرفانية التي ينزلها هذا الباحث أدنى المراتب تنزل عندنا الرتبة العليا من رتّب العقلانية لولا الالتباس الذي يكتنف هذا المفهوم عنده ؛ فقد أدخل فيها اتجاهين لا يلتقيان ، أحدهما اتجاه نظري أحقّ بأن يرتّب أصحابه مع أهل العقل المجرد ، إذ هو عبارة عن نظر فلسفي صريح في الحقائق الروحية والوجدانية ؛ والآخر اتجاه عملي أحقّ بأن يرتّب أصحابه مع أهل العقل المؤيّد ، إذ هو عبارة عن ممارسة أخلاقية وسلوكية في أعلى درجاتها ، بحيث هي التي تستحق أن يعرّف بها الإنسان الكامل ؛ ومن هنا يتبين أن هذا الباحث يصيب حيث لا ينبغي ويخطئ حيث لا ينبغي ، فهو مصيب في حط رتبة العرفانيين متى اعتبرنا المقصود ب " العرفانية " هو الاتجاه الفلسفي الذي اشتغل بالنظر العقلاني المجرد في المعاني الروحية والوجدانية ، إلا أن هذه الإصابة تضره أيما ضرر ، لأن انحطاط الرتبة هذا يصدق أيضا على عموم الفلاسفة ما دام تقرر عنده أنهم ، هم وحدهم ، أهل النظر المجرد ؛ وهو مخطئ في حط رتبة العرفانيين متى اعتبرنا المقصود ب " العرفانية " هو الاتجاه العملي الذي اشتغل بتحقيق القيم الأخلاقية في السلوك ، إلا أن هذا الخطأ هو الآخر يضره ، لأن علو الرتبة ، على ما تقدم ، هو وحده الذي يصدق على أصحاب هذا الاتجاه ، فهم أهل تأييد ، لا أهل تجريد ، وشتان بين التأييد والتجريد كما ذكر . والسبب الثالث ، أن دعواه القائلة باختصاص الفكر المغربي بالعقلانية المجردة ينقضها أو يكذّبها وجود عقلانية مجردة في المشرق العربي على الوجه الذي توجد به في المغرب ، وهذا الوجود لا ينازع فيه إلا معاند كما ينقضها أو يكذبها وجود عقلانية غير مجردة في المغرب على الوجه الذي توجد به في المشرق كما أراد هذا الباحث تخصيصه بها « 2 » ، وهذا الوجود هو الآخر لا ينكره إلا مكابر ؛ لكن النقض أو التكذيب الأكبر لهذه الدعوى يأتي من كون المغاربة الذين ينسب إليهم قمة العقل
هامش
( 2 ) مثال بارز على هذا الوجود للعقلانية غير المجردة بالغرب الإسلامي هو مدرسة ابن مسرة بالأندلس التي اشتهر أهلها بالعرفان الإشراقي .