التجديد المطلوب لذات المسلم ، فيقدر على تأسيس اختياراته الاجتماعية ووضع تخطيطاته وتوجيه مساراته السياسية بطرق لا تنعطف عليه بالضرر لتجدد إنسانيته .
ب . العدول عن لغة المعية الإلهية : يبدو أن خطاب الانبعاث الإسلامي ينساق ، من حيث لا يشعر ، إلى استخدام الطرق التبليغية التي يتبعها خطاب الحداثة ، فلا يبالي في تحليلاته واستنتاجاته إلا بما يجعل هذه التحليلات والاستنتاجات متعلقة بالإرادة الإنسانية وحدها ، حتى إن الواقف على هذا الخطاب الإسلامي قد يحسبه صادرا عمن لا تشغله الأمانة الإلهية التي في عنقه ؛ وكان الأحرى بأهل هذا الانبعاث أن يجتهدوا في إنشاء خطاب من عندهم يصطبغ بأوصاف المعية الإلهية ؛ ولا يكفي في ذلك أن يقروا بهذه المعية ، بل أن يتحققوا بها عمليا ، ثم أن يستعينوا بهذا التحقق ، فيستخرجون منه مقولات إجرائية وأحكام منتجة يبنون بها خطابا متفردا ، جاعلين من هذه المقولات مفاتيح لتفريع هذا الخطاب بعضه من بعض وتعليق بعضه ببعض .
السؤال الرابع : دعا الفيلسوف المسلم محمد إقبال منذ عدة عقود إلى تجديد الفكر الديني عند المسلمين ، فكيف ترى فعل الزمن في هذه الدعوة ؟
الجواب : لقد كان محمد إقبال - رحمة اللّه عليه - أحد المفكرين المعاصرين البارزين الذين قاموا باستثمار الثقافة الإسلامية الأصلية في التعامل مع الثقافة الغربية ، إفادة لها وتقويما ؛ ولقد دعا حقا إلى تجديد الفكر الديني ، إلا أن دعوته ، وإن لقيت الاستجابة من بعض رجال السلفية وأهل الأخلاق ، فإن هذه الاستجابة كانت محدودة ، وظلت منحصرة في مجال الممارسة الفكرية العفوية ، ولم ترق إلى مجال التنظير المحكم .
وأقصد بذلك أن محمد إقبال دعا إلى أمرين أساسيين للنهوض بالفكر الإسلامي : أحدهما ، " العناية بمفهوم العمل في الإسلام " ، والثاني ، " تجديد الفلسفة الدينية الإسلامية " .
أ . العناية بمفهوم " العمل " في الإسلام : فلا أحد ينكر أن الانبعاث الإسلامي المعاصر جاء ثمرة لإحياء الشعائر الدينية ، أي ثمرة للدخول في العمل الشرعي بعد أن كان هذا العمل قد قل أو زال ؛ لكن الانبعاث المبارك للممارسة الشرعية سرعان ما خرج إلى التحرك السياسي ، فانتقل مفهوم العمل دفعة واحدة من نطاق مزاولة العبادات - أي التطبيق الشعائري إلى نطاق المعاملات السياسية - أي التطبيق
سؤال الأخلاق مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية — صفحة 198
مساهمون: طه عبد الرحمن
ص١٩٨