المجرد هم أنفسهم ساهموا بقسط كبير في وجود عقلانية غير مجردة في المشرق في الوقت الذي لم يثبت أنهم ساهموا في وجود عقلانية مجردة به ، بل الثابت أن هذه العقلانية وجدت بالمشرق بتمامها من غير حاجة إلى المغاربة أو من غير اشتراك معهم ؛ بينما الأمر على خلاف هذا بالنسبة للعقلانية غير المجردة ، ولا سيما نوعها المؤيّد ، فقد ثبت أن المغربيين أمدّوا إخوانهم المشرقيين في باب الأخلاق بما لم يمدّوهم به في باب غيره من أبواب الثقافة الإسلامية المختلفة ، وبالأحرى في الباب الذي زعم هذا الباحث أنهم يختصون به ، أي العقلانية المجردة ، وهو الذي كان من المفروض - بموجب هذا الاختصاص المزعوم المنسوب إليهم - أن يأتي من جهته إمداد الغير ، مشرقيين وسواهم ؛ وهذه الحقيقة التاريخية ذات البال التي غابت على فطنة كثير من الباحثين والمتفلسفين هي التي نريد في هذه الضميمة أن نتولى بيانها وإثباتها بما يليق بها من قواطع الأدلة العقلية وسواطع الشواهد التاريخية ؛ وحتى نتجنب أن نقع فيما أخذناه على غيرنا من الأحكام المعمّمة والمتسرعة ، فقد حرصنا على أن نحصر بحثنا في عينة نموذجية لهذا التأثير الأخلاقي المغربي في المشرق العربي ، وهي ، بالذات ، تأثير كبار الأخلاقيين المغاربة في إخوانهم المقيمين بأرض الكنانة .
وبعد أن انتهينا من ذكر الأسباب التي حملتنا على الرجوع إلى البدعة الفكرية القائلة باختصاص المغاربة بالعقل المجرد الذي لا أخلاق معه ، فها نحن ماضون إلى بيان كيف أن المغاربة اشتهروا بالعطاء الأخلاقي غير المجرّد أكثر من اشتهارهم بغيره ، لا بين ذويهم وداخل وطنهم فحسب ، بل أيضا بين عامة المسلمين وخارج وطنهم .
فلقد عرف المغاربة في المشرق ، منذ أن أخذوا يفدون عليه بعد الفتح الإسلامي ، بالعكوف على العبادة والانقطاع إلى اللّه تعالى ، حتى فاقوا غيرهم عددا ومددا في المجاورة بالحرمين الشريفين والحرم الأقصى ، واشتهروا عند أهله بكونهم من أشد المسلمين تمسكا بالكتاب والسنة عند انتشار البدع وظهور الفساد « 3 » ، حتى وقر في القلوب أنهم هم المقصودون بالحديث الشريف : " لا يزال أهل المغرب ظاهرين على الحق حتى تقوم الساعة " « 4 » ؛ كما شهد رجال الأخلاق بالمشرق
هامش
( 3 ) ابن الزيات : التشوف إلى رجال التصوف ، ص . 32 .
( 4 ) حديث شريف رواه مسلم في كتاب الإمارة .