يفكر ، بل أصفياء يلقّنونه كيف يكون مسلما .
ب . أن مسالك الغرب في التحديث بنيت أصلا على أسس عقدية وقواعد مذهبية تعارض الحقيقة الشرعية الإسلامية ، وكل من اتبع هذه المسالك الحداثية من غير تام التبصر بسياقاتها العقدية وكامل التبين لآثارها ومآلاتها القريبة والبعيدة ، لا بد من أن يقع في الإضرار بعقيدته الدينية وبعمله الشرعي ، ذلك أن هذه المسالك قامت على صنفين من الفصل : أحدهما ، فصل العقل عن كل دلالة على الغيب ، ومن المعلوم أنه لا عقل في الإسلام إلا لمن أدرك هذه الدلالة الغيبية وعمل بها ؛ والثاني ، فصل العلم عن الأخلاق ، ومن المسلّم به أنه لا علم في الإسلام إلا لمن استعمله في سلوكه واجتهد في التخلق به ؛ ومتى أخذ المسلم بهذه الطرق الحداثية النابذة للغيب والطارحة للتخلق ، لم يأمن أن تولّد في قلبه ، عن قريب أو بعيد ، إدراكات وتوجهات لا يشعر متى ولا كيف تنزع عنه لباس الإيمان ، كما لم يأمن أن تحدث في سيرته ، إن آجلا أو عاجلا ، ميولا وسلوكات لا يدرك متى ولا كيف تورثه نسيان التعامل مع اللّه .
وعلى هذا ، فما دام التحديث الغربي مقطوعا عن الدلالة الغيبية للعقل لاقتصاره على الدلالة الحسية ، ومقطوعا عن الدلالة الخلقية للعلم لاقتصاره على الدلالة المجردة ، وجب على المسلم أن يتبين وجوه الاستدراج التي يوقعه فيها هذا النمط الغربي في التحديث ، وأن يطلب نمطا تحديثيا مغايرا لا يأتي منه هذا الاستدراج ، وواضح أن ذلك لا يكون إلا باستعادة الصلتين المفقودتين معا ، أي " الصلة بين العقل والغيب " و " الصلة بين العلم والعمل " .
ج . أن الغرب لن ينتظر أبدا المجتمعات الإسلامية حتى تلتحق بركبه في الإنتاجية العلمية والمسار العلماني ، بل سيظل ساعيا بكل ما أوتى من عدد وعدة إلى أن يحصّل من هذه الإنتاجية ما هو أضعاف لما تقدم ، فتتزايد الشقة بينه وبين المجتمعات الإسلامية ، ذلك لأن هذه المجتمعات ستفقد من الإنتاجية العلمية ما هو أضعاف لما سلف ، ما دامت قد أجبرت على سلوك طرائق تحديثية تتعارض مع توجهاتها المعنوية الأصلية وتضر بإمكاناتها الحقيقية في العطاء والإبداع .
ومتى صح أن سلوك نفس الطريق التحديثي الذي سلكه أهل الغرب لا يجر علينا إلا " المراقبة " أو " التراجع " ، صح معه أيضا أننا نحتاج إلى نهج سبيل في التحديث لا يدرون كيف يلحظون مسيرتنا من جهته ولا كيف يطوون علمنا من جانبه .
سؤال الأخلاق مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية — صفحة 196
مساهمون: طه عبد الرحمن
ص١٩٦