تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سؤال الأخلاق مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية — صفحة 192

مساهمون:

ص١٩٢
يغير في شيء الجهاز النظري الذي بين يديه ، ولا يحمل الناظر في هذا الجهاز على التسليم بالمشيئة الإلهية أو على اعتبار هذا التسليم شرطا في صحة هذا الجهاز ، بل ينبغي أن نصوغ هذا التسليم في بنية الجهاز ذاتها بواسطة إجراءات محددة يقف عليها كل من نظر فيه ، ويكون ذلك بتزويد هذا الجهاز العلمي بمقولتين إجرائيتين أساسيتين : أحدهما ، " التوفيق الإلهي " الذي هو ضامن لفائدة المقاصد التي يختارها الإنسان ، والثانية " العون الرباني " الذي هو ضامن لنجاعة الوسائل التي يتخذها ، وقد نصطلح على تسمية المقولة الأولى باسم " التسديد " والمقولة الثانية باسم " التأييد " ، فيكون التسديد شرطا علميا في صحة المقاصد ، ويكون التأييد شرطا علميا في صلاح الوسائل على خلاف التصور الغربي لهذه المسألة ، ولقد بسطنا الكلام في هذا الموضوع في كتابنا العمل الديني وتجديد العقل . السؤال الثاني : إن عملية التجديد والبناء تحتاج إلى حرية : فأية قدرة تراها اليوم للعقل الإسلامي العربي للإفلات من ضغوط الواقع وقواه التي كثيرا ما عاقت حركة هذا العقل ؟ الجواب : لا أحد ينكر أن ما تتعرض له حركة التجديد الإسلامي المعاصرة من ألوان " التضييق " و " التشنيع " من القوى الخارجية والداخلية يتنافى مع كل المبادئ والدعاوى والشعارات التي تبثها بعض هذه القوى بين بني البشر ، مدعية تجديد نظام العالم . ولا أدل على هذا التضييق والتشنيع على حركة التجديد الإسلامي من نعتها بالعنف والتطرف وجعل رجالها رموزا للتزمت والإرهاب ، حتى أخذت بعض الفئات من المسلمين أنفسهم يشاركون ، عن جهل أو عن ذل ، في هذه الممارسة الظالمة . والحق أن ما شاهدناه وما زلنا نشاهده في الحركات الشذوذية والتيارات العنصرية التي تنتشر في العالم الغربي من أساليب التخريب وفنون الفساد ، يربأ المسلمون بأنفسهم عن اتباعه أو الدعوة إليه لخروجه عن تعاليم الدين وعن تاريخ الملة ؛ ومع هذا ، فلا يستنفر الغرب وسائل التضييق والتشنيع لمواجهة هذه الحركات مثلما يفعل في حق التحرك الإسلامي ، وما ذاك إلا لأنه يعلم علم اليقين أن مشاريعه الهيمنية لا تقدر على معاكستها وإسقاطها إلا الطاقة الإيمانية المبثوثة في مبادئ الإسلام .
سؤال الأخلاق مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية — صفحة 192 | طه عبد الرحمن