تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سؤال الأخلاق مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية — صفحة 190

مساهمون:

ص١٩٠
من منافع ؛ فهل يعقل أن يصير العلم الذي أثنى عليه اللّه تعالى في كتابه العزيز والذي أوصى به رسوله الكريم ضارا للإنسانية في جوانب مختلفة منه ، إلا أن يكون واحد من أمرين : إما أن ما يشتغل به الناس ويعدونه علما ليس هو العلم الذي يتعلق به هذا الثناء الإلهي وتحض عليه الوصية المحمدية ، وإما أن للعلم مسالك متعددة ، منها ما هو نافع ومنها ما هو ضار . أما أن يكون العلم المصطلح عليه بين الناس ليس هو العلم المقصود بالثناء والموصى به ، فقد نجد في المسلمين طائفة تسلّم بهذه الدعوى وتحتج في ذلك بأن المراد بالعلم في القرآن والسنة هو " العلم النقلي " دون " العلم العقلي " ؛ لكن هذه الحجة مردودة على أصحابها ، لأن الوصل بين العلمين ضروري لكمال العلم الإسلامي ، فالعلم العقلي ليس دون العلم النقلي اتصافا بالشرع ولا التزاما بالعقيدة ، وإنما تقررت التفرقة بينهما عند الدارسين ، متقدمين ومتأخرين ، بسبب ما تسرب إلى التصور الإسلامي للعلم من تأثيرات أجنبية لا تقيم للحقيقة الدينية وزنا . وأما أن تكون للعلم إمكانات ومسارات متعددة ، نافعة وغير نافعة ، فإن التسليم بهذه الدعوى يتوقف على التسليم بضرورة وصل العلم بالأفق الرباني ، حتى يقع استمداد التوجيه والعون منه ، فيتجنب طالب العلم تحقيق الإمكانات العلمية الضارة وسلوك المسارات التقنية الفاسدة ، ويأتي ما ينفعه منها وينفع الناس جميعا .

ب . استعمال العلم :

ينبغي للعالم أن يعمل بما يعلم ، فالعلم الذي يدعو إليه صاحبه وهو لا يعمل به هو نظر واقع في محظورين : " السقوط في التجريد " و " القصور عن الفائدة " . ليس المقصود بالتجريد انتزاع بعض المعاني وتمييزها وتنسيقها لهذا الغرض أو ذاك من الأغراض العلمية ، وإنما المقصود به " الانقطاع عن العمل " ونسيان قيمته الفعلية في توجيه النظر ، لأن إمكانات البناء النظري لا حصر لها ولا إلزام فيها إلا بالقدر الذي نلزم به أنفسنا على خلاف الاعتقاد السائد ، ولا تتفاضل هذه الإمكانات فيما بينها إلا من حيث انعكاس العمل فيها ودرجة توغل آثاره في جنباتها ؛ وبهذا ، يكون العمل مصححا للنظر . كما أن قصور العلم المجرد عن الفائدة يتجلى في كون من يأخذ به يحتاج إلى دليل يثبت صحة هذا العلم ، وما لم يشاهد الدليل فيمن يأخذ عنه ، فلا يمكن أن يتخذه قدوة فيه ، بل ولا أن ترتسم في ذهنه صورة حية لما يتلقاه ولا لمن يتلقاه