منه ، هذا إن لم ينشأ لديه الميل إلى التفريق بين أقواله وأفعاله ، فيدخل عليه من هذا الميل ضرر عظيم يتأذى منه المجتمع الذي يؤويه .
ج . التوسل في النظر بمفاهيم عملية شرعية :
ينبغي التوسل في تشييد البناءات النظرية بمقولات وبنيات متولدة من التحقق بالعمل ومستمدة من الاشتغال الشرعي ؛ فقد ساد التصور الأجنبي للعلم بيننا ، حتى أصبحنا لا ندرك من إمكاناته إلا ما توصل أهل الغرب إلى تحقيقه ، ولا نتصور من آفاقه إلا ما خطّوه ، وصرنا نعتقد أن العلم واحد لا تعدد في طرائقه ، وأنه ضروري لا جواز في مراحله ، وأنه مطلق لا نسبية في نتائجه ، وليس هذا كله إلا توهما محضا ؛ فالعلم في حقيقته أبواب عدة ومسالك شتى ، وما انفتح للغرب من أبوابه وانتهجه من مسائله ليس إلا غيض من فيض ؛ وإذا كان قد اختار أن يجرّد علمه من قيود العمل وحدود الشرع ، وأن يطلق على هذا التجريد أسماء توهم بمشروعية هذا الاختيار مثل " الموضوعية " و " السببية " و " الآلية " و " الإجرائية " و " العلمية " وما أشبه ذلك ، فليس هذا السلوك إلا إمكانا واحدا تضاهيه إمكانات أخرى كثيرة ، على رأسها إمكان اختيار علم يتقيد بالعمل ويتحدد بالشرع ؛ وليس المقصود بهذا الإمكان ما وقع فيه بعض الطالبين للتأصيل الإسلامي للمعرفة من " تزيين إسلامي " للبناء العلمي المنقول عن الغرب ، والمراد بهذا التزيين هو ما قام به هؤلاء من تصدير الدراسات العلمية بالبسملة أو تذييلها بعد الفراغ منها بعبارة " اللّه أعلم " أو تخليلها بالآيات والأحاديث ، وإنما المطلوب في تحقيق إمكان علمي مغاير لطريق الغرب هو تحصيل القدرة على فك مفاصل البناء النظري المنقول وإعادة تركيبها بفضل عمليات تحويلية متعددة تدخل على المفاهيم والأحكام .
ولا يتسع هذا الموضع لبسط الكلام في هذه المسألة ، وإنما أذكر ، للتمثيل عليها ، كيف يمكن تحويل تصور العلم الحديث لمسألة المقاصد والوسائل ؛ يقوم هذا التصور في الإقرار بأن الفعل الإنساني يطلب مقاصد مخصوصة ويتوسل إلى تحقيقها بوسائل هي أيضا مخصوصة ، إلا أنه ينسى كليا أن هذه المقاصد لا يضمن الإنسان فائدتها إلا بمشيئة اللّه ، كما أن الوسائل الموصّلة إليها لا يضمن نجاعتها إلا بهذه المشيئة الإلهية ، ببنما يحتاج المسلم إلى اعتبار هذه المشيئة في اختياره للمقاصد واختياره للوسائل المؤدية إليها ؛ ولا يفيد في ذلك أن يكتفي بالاعتبار الظاهري لها كأن يعتقد نفوذ هذه الإرادة في الأفعال الإنسانية ، لأن هذا الاعتقاد لا