تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سؤال الأخلاق مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية — صفحة 183

مساهمون:

ص١٨٣
حصار الأجنبي ، بما أن قدرته على الأول تفوق قدرته على الثاني ، ومقامه فيه هو مقام التغيير باللسان بموجب هذا المبدإ الثاني . فإذن تكون نتيجة تطبيق المبدأين : الثاني والثالث ، مجتمعين على واقع المحاصرة الذي يعاني منه الدعاة أن المحاصرة الخارجية لا يمكن رفعها إلا برفع المحاصرة التي يضربها بعضهم على بعض ، وأن هذه المحاصرة الثانية لا يمكن رفعها بدورها إلا برفع المحاصرة التي يضربها الدعاة على أنفسهم . وأخيرا إذا أخذنا بالمبدأ الأول من مبادئ رفع المحاصرة - أي مبدأ تصديق الفعل للقول - في الحكم على هذه المواجهة للحصار ، وجدنا أن الداعية لا يستطيع رفع محاصرته لنفسه إلا إذا ظهرت ثمار دعوته في نفسه قبل ظهورها في غيره ، سواء أكان أخا له في الداخل أم كان عدوا له في الخارج . كما تكون نتيجة المبادئ الثلاثة مجتمعة أنه على دعاة الرجوع إلى الإسلام أن يتعاطوا أولا فكّ حصارهم لأنفسهم عن طريق التحقق بالأوصاف التنويرية والتحريرية التي يدعون إليها ؛ حتى إذا استقام لهم هذا الأمر وتحققوا في ذواتهم بمبادئ دعوتهم ، أمكنهم حينئذ دفع أذى الحصارين الآخرين : الداخلي والخارجي ؛ فلنوضح ذلك بمزيد التفصيل . 3 . 2 . 1 . رفع المحاصرة الذاتية : لقد ذكرنا أن محاصرة الداعية لنفسه تنتج عن وقوعه في اتباع طريقين اجتهاديين منافيين لحقيقة الدعوة إلى عودة الإسلام في تكاملها وشمولها ، وهما : " التسييس " الذي يحصرها في طلب الزعامة والرئاسة والسلطة ، و " التجريد " الذي يحصرها في حشد الأقوال التي لا سلوك معها وفي الوقوف عند الأنظار التي لا عمل تحتها . كما ذكرنا أنه لا سبيل إلى كسر طوق هذا الحصار إلا إذا استبدل الداعية الإحيائي ، في الجانب التنويري من دعوته ، طلب التأنيس المعنوي مكان طلب التسييس المادي واستبدل ، في الجانب التحريري منها ، طلب التسديد العملي مكان طلب التجريد النظري . ولا يخفى أن التأنيس يقتضي منه أداء واجبين : أحدهما ، أن يحصّل تمام الإخلاص لله بترك التعلق بأي حظ من الحظوظ الدنيوية ، إن ظهورا أو سؤددا ؛ والثاني ، أن يعلّم المدعو المقاصد الأخلاقية للشريعة في شمولها لكل الأفعال الإنسانية بما في ذلك فعل السياسة ؛ أو قل باختصار إن التأنيس يوجب على الداعية
سؤال الأخلاق مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية — صفحة 183 | طه عبد الرحمن